الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٦٦
"إحداهما -وهي التي وقعت أولًا إلي- ذكر فيها أنه كان في قديم الدهر ملك ليونان والروم ومصر، وكان يصادقه حكيم، فتح، بتدبيره له، جميع الأقاليم. وكان الملك يريد ابنًا يقوم مقامه، من غير أن يباشر امرأة، فدبر الحكيم حتى تولد من نطفته، في غير رحم امرأة، ابن له، وسماه "سلامان"، وأرضعته امرأة اسمها "أبسال"، وربته، وهو، بعد بلوغه، عشقها ولازمها، وهي دعته إلى نفسها، وإلى الالتذاذ بمعاشرتها.
ونهاه أبوه عنها وأمره بمفارقتها، فلم يطعه، وهربا معًا إلى ما وراء بحر المغرب. وكان للملك آلة يطلع بها على الأقاليم، وما فيها ويتصرف في أهلها، فاطلع بها عليهما، ورق لهما، وأعطاهما ما عاشا به، وأهملهما مدة.
ثم إنه غضب من تمادي "سلامان" في ملازمة المرأة، فجعلهما بحيث يشتاق كل إلى صاحبه، ولا يصل إليه مع أنه يراه، فتعذبا بذلك، وفطن سلامان به، ورجع إلى أبيه معتذرًا، ونبهه أبوه على أنه لا يصل إلى الملك الذي رشح له، مع عشقه "أبسال" الفاجرة وإلفه لها.
فأخذ "سلامان" و"أبسال" كل منهما يد صاحبه، وألقيا نفسيهما في البحر. فخلصته روحانية الماء بأمر الملك، بعد أن أشرف على الهلاك.
وغرقت "أبسال"، واغتم "سلامان"، ففزع الملك إلى الحكيم في أمره، فدعاه الحكيم، وقال: أطعني، أوصل، أبسال إليك.
فأطاعه، وكان يريه صورتها، فيتسلى بذلك رجاء وصالها، إلى أن صار مستعدًا لمشاهدة صورة "الزهرة"، فأراها الحكيم له بدعوته لها، فشغفته حبًا، وبقيت معه أبدًا، فنفر عن خيال "أبسال"، واستعد للملك بسبب مفارقتها، فجلس على سرير الملك.
وبنى الحكيم الهرمين، بإعانة الملك، واحد للملك، وواحد لنفسه، ووضعت هذه القصة، مع جثتيهما، فيهما، ولم يتمكن أحد من إخراجها، غير أرسطو، فإنه أخرجها بتعليم أفلاطون، وسد الباب.