الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٦١
وجوده به، وقد تقدمه في الزمان، وإما أن يكون التقدم في الذات، لا في الزمان؛ لأنه في الزمان لا يفارقه، وهذا النحو من التقدم هو أن تكون الذات المتقدمة، كلما توجد يلزم أن يستفاد عنها ذات المتأخر في الوجود، وحينئذ لا يوجد هذا المتقدم في الوجود إذا فرض المتقدم قد عدم، لا أن فرض عدم المتأخر أوجب عدم المتقدم، ولكن؛ لأن المتأخر لا يجوز أن يكون عدم إلا، وقد عرض أولًا بالطبع للمتقدم ما أعدمه، فحينئذ عدم المتأخر، فليس فرض عدم التأخر يوجب عدم التقدم، ولكن فرض عدم التقدم نفسه؛ لأنه إنما افترض المتأخر معدومًا بعد أن عرض للمتقدم أن عدم في نفسه، وإذا كان كذلك، فيجب أن يكون السبب المعدم يعرض في جوهر النفس، فيفسد معه البدن، وأن لا يكون ألبتة البدن يفسد بسبب يخصه، لكن فساد البدن يكون بسبب يحصه: من تغير المزاج أو التراكيب، فباطل أن تكون النفس تتعلق بالبدن تعلق المتقدم بالذات، ثم يفسد البدن ألبتة بسبب في نفسه، فليس إذًا بينهما هذا التعلق.
وإذا كان الأمر على هذا، فقد بطلت أنحاء التعلق كلها، وبقي أن لا تعلق للنفس في الوجود بالبدن، بل تعلقها في الوجود بالمبادئ الأخر التي لا تستحيل، ولا تبطل.
وأما أنها لا تقبل الفساد أصلًا -فأقول أن سببًا آخر لا يعدم النفس ألبتة، وذلك أن كل شيء من شأنه أن يفسد بسبب ما، ففيه قوة أن يفسد، وقبل الفساد فيه فعل أن يبقى، ومحال أن تكون من جهة واحدة في شيء واحد -قوة أن يفسد وفعل أن يبقى: فإن معنى القوة مغاير لمعنى الفعل، وإضافة هذه القوة مغايرة لإضافة هذا الفعل؛ لأن إضافة -ذلك إلى الفساد، وإضافة هذا إلى البقاء، فإذن لأمرين مختلفين في الشيء يوجد هذان المعنيان، نقول: إن الأشياء المركبة والأشياء البسيطة التي هي قائمة في المرتبة، يجوز أن يجتمع فيها فعل أن يبقى وقوة أن يفسد، وأما في الأشياء