الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٥٢
اليونانية ومن يدرسونها، وحين يؤرخ الفكر العربي، فمن المهم جدًا ألا ينخدع المرء بهذا الاشتباه، أن ما يسمى "فلسفة عربية"، ليس إلا قسمًا محدودًا من الحركة الفلسفية في الإسلام، إلى حد أن المسلمين أنفسهم، كادوا أن يجهلوا وجودها"١.
ولم يشأ رينان أن يعدل عن رأيه هذا في مقدمة الطبعة الثانية، رغم ما وجه إليه من نقد، خصوصًا من جانب هنري رتر Henri Ritter، وقرر: "إنني مصمم على اعتقاد أنه لم يهيمن على خلق هذه الفلسفة اتجاه عقائدي كبير dogmatique، أن العرب لم يفعلوا غير أنهم اعتنقوا adopter مجموع المعارف اليونانية، كما قبلها العالم كله حوالي القرنين السابع والثامن"٢.
ومن هنا يربط نشأة الفلسفة في الإسلام بحال الفلسفة عند السريان، وفي مدرسة
الإسكندرية في هذين القرنين.
وآراء رينان هذه تحتاج إلى الفحص والنقد:
١- ذلك أنه يخلط في كلامه بين فكرة العنصر والجنس "السامي" من ناحية، وبين فكرة الإسلام بوصفه دينًا من ناحية أخرى، ولهذا يترجح في الرأي بين إنكار وجود فلسفة "عربية"، حينما يقصد العنصر والجنس، وبين الإقرار بوجودها حين يقصد الإسلام، كجماعة شاملة لأجناس عديدة من بينها الجنس الآري "الفرس"، وهذا الاضطراب هو الذي دعا بعض الباحثين المعاصرين٣ إلى إثارة مشكلة زائفة، وهي: هل ينبغي تسمية هذه الفلسفة فلسفة "عربية"، أو فلسفة "إسلامية"؟
وفي رأينا أنها مشكلة زائفة؛ لأن المدلول واحد: فهي عربية؛ لأن الكتب المؤلفة فيها قد كتبت باللغة العربية، "إلا في القليل النادر الذي لا يكسر
١ الكتاب نفسه، ص٨٤.
٢ الكتاب نفسه، ص١٢٠.
٣ مثل كوربان في مقدمة كتابه "تاريخ الفلسفة الإسلامية" -H. Corbin: Histoire de la philo sophie Islamique. Paris. ١٩٦٤.