الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢٣٥
فهي بالقوة عقل وعقل هيولاني، وهي أيضًا بالقوة معقولة"١، وهذا العقل الهيولاني يصير إلى عقل بالفعل إذا حصلت فيه المعقولات، ويحتاج ذلك إلى شيء ينقله من القوة إلى الفعل، وهذا الشيء ذات ما جوهرها عقل ما بالفعل، ومفارق للمادة. وهذا العقل الفاعل "يعطي العقل الهيولاني"، الذي هو بالقوة عقل، شيئًا ما بمنزلة الضوء الذي تعطيه الشمس البصر؛ لأن منزلته من العقل الهيولاني منزلة الشمس من البصر: فإن البصر هو قوة وهيئة ما في مادة، وهو من قبل أن يبصر: فيه بصر بالقوة، والألوان من قبل أن تبصر مبصرة مرئية بالقوة، وليس في جوهر القوة الباصرة التي في العين كفاية في أن يصير بصرًا بالفعل، ولا في جوهر الألوان كفاية في أن تصير مرئية مبصرة بالفعل، فإن الشمس تعطي البصر ضوءًا يضاد به، وتعطي الألوان ضوءًا تضاد به، فيصير البصر -بالضوء الذي استفاده من الشمس- مبصرًا بالفعل وبصيرًا بالفعل، وتصير الألوان -بذلك الضوء- مبصرة مرئية بالفعل، بعد أن كانت مبصرة مرئية بالقوة، كذلك هذا العقل الذي بالفعل يفيد العقل الهيولاني شيئًا ما، يرسمه فيه، فمنزلة ذلك الشيء من العقل الهيولاني منزلة الضوء من البصر، وكما أن المبصر بالضوء نفسه يبصر الضوء الذي هو سبب إبصاره، ويبصر الشمس التي هي سبب الضوء به "= بالبصر" بعينه، ويبصر الأشياء التي هي بالقوة مبصرة، فتصير مبصرة بالفعل، كذلك العقل الهيولاني: فإنه بذلك الشيء -الذي منزلته منه منزلة الضوء من البصر- يعقل الشيء نفسه، وبه يعقل العقل الهيولاني العقل بالفعل الذي هو سبب ارتسام ذلك الشيء في العقل الهيولاني، وبه تصير الأشياء التي كانت معقولة بالقوة معقولة بالفعل، ويصير هو أيضًا عقلًا بالفعل بعد أن كان عقلًا بالقوة، وفعل هذا العقل المفارق في العقل الهيولاني، شبيه فعل الشمس في البصر، فلذلك سمي العقل الفعال، ومرتبته من الأشياء المفارقة -التي ذكرت، من دون السب الأول -المرتبة العاشرة.
١ الفارابي: "آراء أهل المدينة الفاضلة" ص١٠١. بيروت ١٩٧٣.