الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢٢٩
فبعض الأجسام يحدث عن الاختلاط الأول، وبعضها عن الثاني، وبعضها عن الثالث، وبعضها عن الاختلاط الآخر، فالمعدنيات تحدث باختلاط أقرب إلى الاسطقسات وأقل تركيبًا، ويكون بعدها عن الاسطقسات برتب أقل، ويحدث النبات باختلاط أكثر منها تركيبًا، وأبعد عن الاسطقسات برتب أكثر، والحيوان غير الناطق يحدث باختلاط أكثر تركيبًا من النبات، والإنسان وحده هو الذي يحدث عن الاختلاط الأخير١.
والأجسام السماوية تفعل في كل واحد منها بأن ترفد البعض، وتضاد البعض، مما تحدث عنه امتزاجات واختلاطات أخرى كثيرة، وتلك هي أسباب وجود الأشياء الطبيعية التي تحت السماوية.
والموجودات التي دون الأجسام السماوية في نهاية النقص في الوجود؛ لأنها "لم تعط من أول الأمر جميع ما تتجوهر به على التمام، بل إنما أعطيت جواهرها التي لها: بالقوة البعيدة فقط، لا بالفعل، إذ كانت إنما أعطيت مادتها الأولى فقط، ولذلك هي أبدًا ساعية إلى ما تتجوهر به الصورة"٢.
وهي قد بلغت "من تأخرها وتخلفها وخساسة وجودها أن صارت لا يمكنها أن تنهض، وتسعى من تلقاء أنفسها إلى استكمالاتها، إلا بمحرك من خارج، ومحركها من خارج هو الجسم السماوي وأجزاؤه، ثم العقل الفعال: فإن هذين جميعًا يكملان وجود الأشياء التي تحت الجسم السماوي، والجسم السماوي فإن جوهره وطبيعته، وفعله أن يلزم عنه أولًا وجود المادة الأولى، ثم من بعد ذلك يعطي المادة الأولى كل ما في طبيعتها، وإمكانها واستعدادها أن تقبل من الصور، كائنة ما كانت، والعقل الفعال معد بطبيعته وجوهره أن ينظر في كل ما وطأه الجسم السماوي وأعطاه، فأي شيء منه قبل -بوجه ما- التخلص من المادة ومفارقتها، رام تخليصه من
١ الفارابي: "آراء أهل المدينة الفاضلة" ص٧٧-٧٨.
٢ الفارابي: "السياسة المدنية" ص٥٤.