الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٧٥
والأول: يعين عليه الزهد الحقيقي.
والثاني: تعين عليه عدة أشياء: العبادة المشفوعة بالفكرة، ثم الألحان المستخدمة لقوى النفس الموقعة لما لحن به من الكلام موقع القبول من الأوهام، ثم نفس الكلام الواعظ من قائل ذكي بعبارة بليغة، ونغمة رخيمة وسمت رشيد.
وأما الغرض الثالث فيعين عليه، الفكر اللطيف، والعشق العفيف الذي يأمر فيه شمائل المعشوف، وليس سلطان الشهوة"، "الكتاب نفسه ص٨٢٠-٨٢٧".
فرياضة النفس هي نهيها عن هواها، وصرفها إلى طاعة مولاها، وذلك بالالتفات إلى الحق الأول وحده لتنقطع إليه، وتنصرف عما عداه، فيصير ذلك ملكة لها: لأن الغرض النهائي من الرياضة هو نيل الكمال الحقيقي، بيد أن ذلك يتوقف على حصول الاستعداد لذلك، وزوال الموانع داخلية كانت أو خارجية. فالرياضة تتجه إلى: إزالة الموانع الخارجية، وتطويع النفس الأمارة بالسوء لسلطان النفس المطمئنة، حتى يتحول التخيل عن الجانب السفلي إلى الجانب القدسي، ثم تلطيف السر للتنبيه بمعنى تهيئة باطن النفس، كي تتمثل فيه الصور العقلية بسرعة، وينفعل عن الأمور الإلهية المبهجة للشوق، والوجد بسهولة، ومما يعين المريد على ذلك: العبادة المقرونة بالفكر، والألحان التي ترقق النفس، فتصرفها عن استعمال القوى الحيوانية، والكلام الواعظ أي الذي يفيد النفس التصديق بما ينبغي أن يفعل، خصوصًا إذا اقترن بكون القائل ذكيًا، بليغ العبارة، رخيم الصوت، ويعين على تلطيف السر للتنبيه: الفكر اللطيف، والعشق العفيف الذي يجعل النفس لينة رقيقة ذات وجد، معرضة عما سوى المعشوق، لا سلطان للشهوة عليها.
فإذا ما ترقى المريد في رياضته حتى يبلغ حدًا ما عنت له خلسات من اطلاع نور الحق عليه، لذيذة كأنها بروق تومض إليه، ثم تخمد عنه -وهو