الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٧
وتوسمت بخدمته، فسألته يومًا الإذن لي في دخول دار كتبهم، ومطالعتها وقراءة ما فيها من كتب الطب، فأذن لي، فدخلت دارًا ذات بيوت كثيرة، في كل بيت صناديق كتب منضدة بعضها على بعض: في بيت منها كتب العربية والشعر، وفي آخر: الفقه، وكذلك في كل بيت كتب علم مفرد.
فطالعت فهرست كتب الأوائل، وطلبت ما احتجت إليه منها، ورأيت ما لم يقع اسمه إلى كثير من الناس، قط، وما كنت رأيته من قبل، ولا رأيته أيضًا من بعد، فقرأت تلك الكتب وظفرت بفوائدها، وعرفت مرتبة كل رجل في علمه.
فلما بلغت ثماني عشرة سنة من عمري، فرغت من هذه العلوم كلها، وكنت إذ ذاك للعلم أحفظ، ولكنه اليوم معي أنضج، وإلا فالعلم واحد لم يتجدد لي بعده شيء.
وكان في جواري رجل يقال له أبو الحسين الفروضي، فسألني أن أصنّف له كتابًا جامعًا في هذا العلم، فصنعت له "المجموع" وسميّته به، وأتيت فيه على سائر العلوم سوى الرياضي، ولي إذ ذاك إحدى وعشرون سنة من عمري.
وكان في جواري أيضًا رجل يقال له: أبو بكر اليرقي، خوارزمي أعد له، فقيه النفس، متوحد في الفقه والتفسير والزهد، مائل إلى هذه العلوم، فسألني شرح الكتب، فصنفت له كتاب "الحاصل والمحصول" في قريب من عشرين مجلدة. وصنفت له في الأخلاق كتابًا سميته "البر والإثم"، وهذان الكتابان لا يوجدان إلا عنده، فلم يعد أحد ينسخ منهما.
ثم مات والدي، وتصّرفت بي الأحوال، وتقلّدت شيئًا من أعمال السلطان. ودعتني الضرورة إلى الإخلال ببخارى، والانتقال إلى كركابخ، وكان أبو الحسين السهلي -المحب لهذه العلوم- بها وزيرًا، وقدمت إلى الأمير