الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٢٣
تبرير النظر العقلي بالشرع:
ويؤكد أن الشرع دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل، ودعانا إلى معرفتها بالنظر العقلي، كما هو بين في غير ما آية من كتاب الله، مثل قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَار} [سورة الحشر: ٢] وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} [سورة الأعراف: ١٨٤] ، وهذا نص بالحث على النظر في جميع الموجودات بواسطة العقل واعتبارها به.
والاعتبار هو استنباط المجهول من المعلوم واستخراجه منه، وهذا هو القياس، أو التفكير بالقياس، "فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي" "ص٢٨".
وأتم أنواع النظر هو المسمى بالبرهان، فالشرع إذن قد حث على معرفة الله تعالى وسائر موجوداته بالبرهان، ولهذا "كان من الأفضل، أو الأمر الضروري، لمن أراد أن يعلم الله -تبارك وتعالى- وسائر الموجودات بالبرهان، أن يتقدم أولًا فيعلم أنواع البراهين وشروطها، وبماذا يخالف القياس البرهاني القياس الجدلي، والقياس الخطابي والقياس المغالطي"، "ص٢٩"، ولا بد قبل هذا أن يعرف ما هو القياس عامة، وكم أنواع وما منه قياس، وما منه ليس بقياس، وهذا بدوره يحتاج إلى معرفة أجزاء القياس أعني المقدمات وأنواعها، وإذن عليه بالجملة أن يدرس المنطق.
وكما أن الفقيه مضطر إلى معرفة المقاييس الفقهية، وأنواعها وشروطها حتى يستطيع استنباط الأحكام، كذلك على من يريد معرفة الله أن يعرف القياس العقلي، أي المنطق.