الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢٤٦
مقصود ذلك الرئيس، وهؤلاء هم أولو المراتب الأولى، ودون هؤلاء قوم يفعلون الأفعال على حسب أغراض هؤلاء، وهؤلاء هم في المرتبة الثانية، ودون هؤلاء أيضًا من يفعل الأفعال على حسب أغراض هؤلاء، ثم هكذا تترتب أجزء المدينة، إلى أن تنتهي إلى أخر يفعلون أفعالهم على حسب أغراضهم، فيكون هؤلاء هم الذين يخدمون ولا يخدمون، ويكونون في أدنى المراتب، ويكونون هم الأسفلين.
غير أن أعضاء البدن طبيعية، والهيئات التي لها "هي" قوى طبيعية، وأجزاء المدينة، وإن كانوا طبيعين، فإن الهيئات والملكات التي يفعلون بها أفعالهم للمدينة ليست طبيعية، بل إرادية، على أن أجزاء المدينة مفطورون بالطبع بفطر متفاضلة يصلح لها إنسان بشيء دون شيء، غير أنهم ليسوا أجزاء المدينة بالفطر التي لهم وحدها، بل بالملكات الإرادية التي تحصل لها، وهي الصناعات وما شاكلها. والقوى التي هي أعضاء البدن بالطبع، فإن نظائرها في أجزاء المدينة ملكات وهيئات إرادية"١.
وتشبيه المدينة بالبدن نجد نظيرًا له عند أرسطو، حين يشبه أجزاء المدينة بأجزاء الحيوان٢، بيد أن الفارابي توسع في المقارنة، والتشبيه أكثر مما فعل أرسطو.
١ الفارابي: "آراء أهل المدينة الفاضلة" ص١١٨-١١٩، بيروت سنة ١٩٧٣.
٢ أرسطو: "السياسة" ص١٢٩٠ب-٢٥-٣٩.