الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٤٦
وما دام الأمر هكذا، فأسباب الكثرة عند أرسطو: من الفاعل الواحد هي الثلاثة الأسباب، ورجوعها إلى الواحد هو بالمعنى المتقدم، أي كون الواحد سبب الكثرة.
والاختلاف فيما يقع دون فلك القمر، يرجع إلى الأسباب الأربعة: اختلاف الفاعلين، واختلاف المواد، واختلاف الآلات، وكون الأفعال تقع من الفاعل الأول بواسطة غيره، وهذا كأنه قريب من الآلات.
وبهذا يطرح ابن رشد المبدأ القائل بأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، ويؤكد أن الواحد يمكن أن تصدر عنه كثرة، ومرجع هذه الكثرة إلى اختلاف المواد، أو الصور، أو الآلات، أو القرب والبعد من الفاعل الواحد.
ويتبين من هذا كله أن ابن رشد أدرك أن النظام الذي تصوره الفارابي، وفي أثره ابن سينا، نظام الصدور، لم يقل به أرسطو ولا مشاهير المشائين القدماء، وإذا كان فرفوريوس قد قال به فهو؛ لأنه لم يكن من حذاق المشائين، ولو كان على علم أوفى بحال فورفوريوس، لقال أنه ليس من المشائين أصلًا بل هو أفلوطيني.
وإذا كان ابن رشد قد قال مع ذلك بنظرية عقول الأفلاك، فهو في هذا إنما يحذو حذو أرسطو نفسه في الفصل الثامن من مقالة "اللام" من كتاب ما بعد الطبيعة.