الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٩٢
يوجد إنسان أبدًا؛ لأن تعريف الإنسان هو أنه حيوان عاقل فان، فلو لم يكن موت، لم يكن إنسان؛ لأنه إن لم يمت، لم يكن إنسانًا، ولخرج عن طبيعة الإنسان، والأمر السيئ هو ألا نكون ما نحن إياه، وبالتالي الشيء السيئ هو ألا نموت، وإذن فالموت ليس بشر.
١٠- وأخيرًا يجب أن نتذكر، إذا أحسسنا بفقد شيء، ما بقي لنا من قنيات مادية وعقلية، ناسين مفقوداتنا الماضية؛ لأن تذكر ما يبقى لنا يعزينا عما فقدناه.
ومن الحق أن نقول أن من لا يملك الأشياء الخارجة عنه يملك ما يستعبد الملوك، ويتغلب على أقوى أعدائه الجاثمين في داخل نفسه، وهي الشهوات.
تلك خلاصة رسالة الكندي "في الحيلة لدفع الأحزان"، ونحن نجد لها نظائر بعد ذلك في العربية، نذكر منها ثلاثة:
١- الأولى "رسالة أفلاطون الحكيم إلى فرفوريوس في حقيقة نفي الغم والهم وإثبات الزهد، جوابًا عن سؤال كان سبق إليه"١، وقد ورد فيها حكاية القبة، وكلام سقراط الواردان في رسالة الكندي أيضًا، فهل لهما أصل مشترك؟ هذا محتمل.
٢- والثانية "رسالة في تسلية الأحزان" تأليف إيليا الجوهري، ولسنا ندري على وجه التحقيق من هو، لكنه عاش على كل حال في العصر الإسلامي، في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وقد نشرها ليفي دلافيدا٢، تبعًا لمخطوط في الفاتيكان "برقم ١٤٩٢ عربي".
١ نشرها لأول مرة لويس شيخو في مجلة "المشرق"، سنة ١٩٢٢، بيروت، اعتمادًا على مخطوط جرجس صفا الموجود الآن بالخزانة التيمورية بدار الكتب المصرية، ونشرناها نحن من جديد في كتابنا: "أفلاطون في الإسلام" ص٢٣٥-٢٤٣، طهران سنة ١٩٧٤ استنادًا إلى مخطوط أيا صوفيا رقم ٤٨٠١ "ورقة ٥٤أ-ب".
٢ في Melanges Engene Tisserant جـ٢ ص٣٤٥-٣٩٧، الفاتيكان سنة ١٩٦٤.