الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٠٠
٧- المدينة الكاملة:
وهنا نصل إلى الجانب السياسي في فلسفة ابن باجه، فنراه يستعمل عبارة "المدينة الكاملة" بدلًا من "المدينة الفاضلة"١، التي استعملها الفارابي، لكنه يظل مع ذلك في إطار آراء الفارابي، التي ترجع بدورها إلى آراء أفلاطون، ويتحدث عن نظم الحكم الأربعة، أو السير الأربع على حد تعبيره.
ويشير ابن باجه في هذا إلى أفلاطون صراحة، من حيث دراسة تدبير المدية أو سياسة الدولة، فيقول: "فأما تدبير المدن فقد بين أمره فلاطين في "السياسة المدنية"، وبين ما معنى الصواب منه، ومن أين يلحقه الخطأ، وتكلف القول فيما قد قيل فيه"٢.
والمدينة الفاضلة "أفعالها كلها صواب"، فإن هذه خاصتها التي تلزمها، ولذلك لا يغتذي أهلها بالأغذية الضارة، ولذلك لا يحتاجون إلى معرفة أدوية للاختناق بالفطر ولا غيره مما جانسه، ولا يحتاجون إلى معرفة مداواة الخمر، إذ كان ليس هناك أمر غير منتظم، وكذلك إذا أسقطوا الرياضة، حدثت عن ذلك أمراض كثيرة، وبين أن ذلك ليس لها، وعسى أن لا يحتاج منها إلى أكثر من مداواة الخلع وما جانسه، وبالجملة: الأمراض التي أسبابها الجزئية واردة من خارج، ولا يستطيع البدن الحسن الصحة أن ينهض بنفسه في دفعها ... فمن خواص المدينة الكاملة أن لا يكون فيها طبيب ولا قاض، ومن اللواحق العامة للمدن الأربع البسيطة أن يفتقر فيها إلى طبيب وقاض، وكلما بعدت المدينة عن الكاملة، كان الافتقار فيها إلى هذين أكثر، وكان فيها مرتبة هذين الصنفين من الناس أشرف.
وبين أن المدينة الفاضلة الكاملة، قد أعطي فيها كل إنسان أفضل ما هو معد نحوه، وأن آراءها كلها صادقة، وأنه لا رأي كاذبًا فيها، وأن أعمالها هي الفاضلة بالإطلاق وحدها، وأن كل عمل غيره، فإن كان فاضلًا
١ وإن كان يستعملها أحيانًا أيضًا، أو يستعمل الاثنين معًا، راجع "تدبير المتوحد" ص٤١.
٢ ابن باجه: "تدبير المتوحد" في "رسائل ... " ص٣٩.