الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٨
بها -وهو علي بن مأمون- وكنت على زيّ الفقهاء، إذ ذاك بطيلسان، وتحت الحنك، وأثبتوا لي مشاهرة دارّة بكفاية مثلي.
ثم دعت الضرورة إلى الانتقال إلى نسا، ومنها: إلى باورد، ومنها إلى طوس، ومنها إلى شقان، ومنها إلى سمينقان، ومنها إلى جاجرم رأس حد خراسان، ومنها إلى جرجان، وكان قصده الأمير قابوس، فاتفق في أثناء هذا أخذ قابوس وحبسه في بعض القلاع وموته هناك، ثم مضيت إلى دهستان، ومرضت بها مرضًا صعبًا، وعدت إلى جرجان، فاتصل أبو عبيد الجوجاني بي، وأنشأت في حالي قصيدة فيها البيت القائل:
لما عظمت فليس مصر واسعي ... لما غلا ثمني عدمت المشتري١
إلى هنا انتهى ما أملاه ابن سينا من أحوال حياته، على تلميذه المخلص الوفي أبي عبيد الجوزجاني، الذي تابع وصف سيرة حياة أستاذه، وذكر فهرسة كتبه ورسائله، وفصّل القول في أحوال السياسة، وخلاصتها أن ابن سينا انتقل إلى مدينة الدي، واتصل بخدمة السيدة، وابنها الملك مجد الدولة أبي طالب رستم بن فخر الدولة علي.
ثم اتفقت أسباب أوجبت بالضرورة ذهابه إلى قزوين، ومنها إلى همذان، واتصاله بخدمة كذبانويه، واتفقت له معرفة "شمس الدولة"، وأمر بإحضاره مجلسه بسبب قولنج أصابه، فعالجه حتى شفي، ففاز منه بخلع كثيرة، وصار من حاشية الأمير شمس الدولة، ونهض شمس الدولة إلى قوميسين لحرب عناز، وخرج ابن سينا معه في سلك خدمته، ثم توجه ناحية همذان منهزمًا راجعًا، ثم سألوه تقلد الوزارة، فتقلدها، ثم اتفق تشويش العسكر بسببه، وإشفاقهم على أنفسهم منه، فأغاروا على داره وأخذوه وحبسوه، وسألوه الأمير شمس الدولة قتله، فرفض الأمير، ثم أطلق سراح ابن سينا، فتوارى في دار أبي سعد بن دخدوك أربعين يومًا، وعاود الأمير
١ ابن أبي أصيبعة: "عيون الأبناء في طبقات الأطباء" جـ٢ ص٢، وما بعدها.