الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٥٠
مفارق له عند الحركة، ومساو له؛ لأنهم يقولون: لا يتأتى أن يوجد جسمان في مكان واحد، فإذا كان كذلك، فينبغي أن يكون خارجًا عن ذات المتمكن؛ لأن كل شيء يكون في ذات المتحرك، فلا يفارقه المتحرك عند الحركة، وقد قيل: إن كل مكان مباين للمتحرك عند الحركة، فإذن ليس المكان شيئًا في المتمكن. وكل هيولي وكل صورة فهي في المتمكن، فليس إذن المكان بهيولي ولا صورة. ولا الأبعاد التي يدعى أنها مجردة عن المكان بمكان الجسم المتمكن: لا مع امتناع خلوها كما يراه بعضهم، ولا مع جواز خلوها، كما يظن مثبتوا الخلاء"١.
فالمكان ليس هيولي الشيء، ولا صورته، وليس هو الخلاء، إذ لا يوجد خلاء.
إن المكان شيء فيه الجسم، فإما أن يكون ذلك على سبيل التداخل، وإما أن يكون على سبيل الإحاطة، ويبرهن ابن سينا برهنة طويلة على امتناع التدخل، كذلك ليس المكان هو الأبعاد التي بين غايات الجسم المحيط، "فهذا قول كاذب جدًا" على حد تعبير ابن سينا "١٢٤"، إذ ليس بين الغايات شيء غير أبعاد المتمكن، إذن فذلك هو على سبيل الإحاطة.
"وقد قيل: إن المكان مساو، فإما أن يكون مساويًا لجسم المتمكن، وقد قيل: إنه محال، وإما أن يكون مساويًا لسطحه، وهو الصواب، ومساوي السطح سطح. فالمكان هو السطح المساوي لسطح المتمكن، وهو نهاية الحاوي المماسة لنهاية المحوي، وهذا هو المكان الحقيقي، وأما المكان غير الحقيقي فهو الجسم المحيط"٢.
ويبحث ابن سينا في الخلاء لإبطاله، إذ لو كان الخلاء موجودًا، لكان فيه أبعاد وفي كل جهة، وكان يحتمل الفصل في الجهات كالجسم، ولو كان
١ ابن سينا: "النجاة" ١١٨-١١٩.
٢ الكتاب نفسه، ص١٢٤.