الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٤٢
د- براهين وجود الله:
وبعد أن فرغنا من تلك المسائل الثلاث، التي كفر الغزالي بها فلاسفة الإسلام، ورد ابن رشد على أقواله، فلننظر في بعض المسائل الأخرى، وأولها براهين وجود الله.
وابن رشد يرجع هذه البراهين إلى اثنين: برهان مأخوذ من العناية الإلهية بالعالم، وبرهان مأخوذ من الخلق، وهو يفضل البرهان بالحركة، وينقد سائر البراهين: البرهان الغائي، البرهان بالتمييز بين الممكن والواجب "وهو الذي تمسك به خصوصًا الفارابي وابن سينا"، والبرهان بالعلية.
وهو يعرض البرهان بالحركة في شرحه على المقالة الثامنة من كتاب "الطبيعة" لأرسطو، ويشير إليه بإيجاز في "تهافت التهافت" "ص٦٦، نشرة بويج سنة ١٩٣٠"، ويلخص عرض أرسطو في تلخيصه لكتاب "ما بعد الطبيعة" "ص١٢٧-١٢٨ طبع حيدر أباد سنة ١٣٦٥هـ"، هكذا:
"تبين في العلم الطبيعي أن كل متحرك له محرك، وأن المتحرك إنما يتحرك من جهة ما هو بالقوة، والمحرك يتحرك من جهة ما هو بالفعل، وإن المحرك إذا حرك تارة ولم يحرك أخرى، فهو محرك بوجه ما، إذ توجد فيه القوة على التحريك حينما لا يحرك، ولذلك متى أنزلنا هذا المحرك الأقصى للعالم يحرك تارة، ولا يحرك أخرى، لزم ضرورة أن يكون هناك محرك أقدم منه، فلا يكون هو المحرك الأول، فإن فرضنا أيضًا هذا الثاني يحرك تارة، ولا يحرك أخرى، لزم فيه ما لزم في الأول، فباضطرار: إما أن يمر ذلك إلى غير نهاية، أو ننزل أن ها هنا محركًا لا يتحرك أصلًا، ولا من شأنه أن يتحرك لا بالذات ولا بالعرض، وإذا كان ذلك كذلك، فهذا المحرك أزلي ضرورة".