الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢٠٥
واستحوذ على الملك١، فلما استقر له، نظر في خزائن الكتب وصنعها، فوجد منها نسخًا لكتب أرسطوطاليس قد نسخت في أيامه وأيام ثاوفرسطس، ووجد المعلمين والفلاسفة قد عملوا كتبًا في المعاني التي عمل فيها أرسطو، فأمر أن تنسخ تلك الكتب التي كانت نسخت في أيام أرسطو وتلاميذه، وأن يكون التعليم منها، وأن ينصرف عن الباقي، وحكم
أندرونيقوس في تدبير ذلك، وأمره أن ينسخ نسخًا يحملها معه إلى رومية، ونسخًا يبقيها في موضع التعليم بالإسكندرية، وأمره أن يستخلف معلمًا يقوم مقامه بالإسكندرية، ويسير معه إلى رومية، فصار التعليم في موضعين٢. وجرى الأمر على ذلك، إلى أن جاءت النصرانية، فبطل التعليم من رومية، وبقي بالإسكندرية، إلى أن نظر ملك النصرانية في ذلك، واجتمعت الأساقفة
وتشاوروا فيما يترك من هذا التعليم، وما يبطل، فرأوا أن يعلم من كتب المنطق إلى آخر الأشكال الوجودية، ولا يعلم ما بعده؛ لأنهم رأوا أن في ذلك ضررًا على النصرانية، وأن فيما أطلقوا تعليمه ما يستعان به على نصرة دينهم، فبقي الظاهر من التعليم هذا المقدار، وما ينظر فيه من الباقي مستورًا، إلى أن كان
الإسلام بعده بمدة طويلة، فانتقل التعليم من الإسكندرية إلى أنطاكية، وبقي بها زمنًا طويلًا، إلى أن بقي معلم واحد، فتعلم منه رجلان وخرجا، ومعهما الكتب: فكان أحدهما من أهل حران، والآخر من أهل مرو، فأما الذي من أهل مرو،
فتعلم منه رجلان أحدهما إبراهيم المروزي، والآخر يوحنا بن حيلان، وتعلم من الحراني إسرائيل الأسقف وقويري، وساروا إلى بغداد فتشاغل إبراهيم بالدين، وأخذ قويري في التعليم. وأما يوحنا بن حيلان، فإنه تشاغل أيضًا بدينه، وانحدر إبراهيم المروزي إلى بغداد فأقام بها، وتعلم من المروزي متى بن يونان".
وهذا العرض -رغم الأخطاء التاريخية في التفاصيل- يقرب من
١ الذي فعل ذلك هو سولا Sylla القائد الروماني "١٣٨-٧٨ق. م".
٢ في روما وفي الإسكندرية.