الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢٤٣
٢- الحاجة إلى الاجتماع الإنساني:
وما يدعو الناس إلى الاجتماع في مجتمع هو احتياجهم بعضهم إلى بعض، وذلك أن "كل واحد من الناس مفطور على أنه يحتاج، في قوامه وفي أن يبلغ أفضل كمالاته -إلى أشياء كثيرة لا يمكنه أن يقوم بها كلها وحده، بل يحتاج إلى قوم يقوم له كل واحد منهم بشيء مما يحتاج إليه، وكل واحد من كل واحد بهذه الحال، فلذلك لا يمكن أن يكون الإنسان ينال الكمال -الذي لأجله جعلت الفطرة الطبيعية- إلا باجتماع جماعة كثيرة متعاونين يقدم كل واحد، جميع ما يحتاج إليه في قوامه، وفي أن يبلغ الكمال، ولهذا كثرت أشخاص الإنسان، فحصلوا في المعمورة من الأرضن، فحدثت منها الاجتماعات الإنسانية.
فمنها الكاملة، ومنها غير الكاملة، والكاملة ثلاث: عظمى، ووسطى، وصغرى. فالعظمى: اجتماعات الجماعات كلها في المعمورة، والوسطى اجتماع أمة في جزء من المعمورة، والصغرى اجتماع أهل مدينة في جزء من مسكن أمة.
وغير الكاملة: اجتماع أهل القرية، واجتماع أهل المحلة، ثم اجتماع في سكة، ثم اجتماع في منزل وأصغرها: المنزل. والمحلة والقرية هما جميعًا لأهل المدينة، إلا أن القرية للمدينة مع أنها خادمة للمدينة، والمحلة للمدينة على أنها جزؤها، والسكة جزء المحلة، والمنزل جزء السكة، والمدينة جزء مسكن أمة، والأمة جزء جملة أهل المعمورة"١.
١ الفارابي: "آراء أهل المدينة الفاضلة" ص١١٧-١١٨.