الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٤١
وابن رشد في رده على الغزالي، لا يتناول أقوال الغزالي واحدًا بعد واحد، كما فعل في المسائل التسع عشرة الأخرى، بل يضع تعليقًا عامًا هو أنه لم يتناول واحد من الفلاسفة المتقدمين هذه المسألة بالبحث، وليس لهم فيها قول، إنما وردت هذه الأقوال في الأديان والشرائع، والفلاسفة يرون أن الشرائع ضرورية؛ لأنها تنحو نحو تبرير الناس ليصل الإنسان إلى سعادته الخاصة به، ولبث الفضائل الخلقية في الإنسان، "والفضائل الخلقية لا تتمكن إلا بمعرفة الله تعالى وتعظيمه بالعبادات المشروعة المشروعة لهم "أي للناس" في ملة ملة ... ويرون بالجملة أن الشرائع هي الصنائع الضرورية المدنية، التي تأخذ مبادئها من العقل والشرع ... ويرون -مع هذا- أنه لا ينبغي أن يتعرض، بقول مثبت أو مبطل، في مبادئها العامة، مثل: هل يجب أن يعبد الله تعالى؟ أو لا يعبد؟ وأكثر من ذلك: هل هو موجود، أم ليس بموجود؟ وكذلك يرون في سائر مبادئه مثل القول في وجود السعادة الأخيرة وفي كيفيتها؛ لأن الشرائع كلها اتفقت على وجود أخروي بعد الموت، وإن اختلفت في صفة ذلك الوجود"١.
ومعنى هذا أن الفلسفة لا تتناول شؤون المعاد والأخرويات، وأن على الفيلسوف أن لا يناقض ما جاء به النبي في الملة التي نشأ الفيلسوف عليها. والملل كلها حق عنده، وإن كان عليه مع ذلك "أن يختار أفضلها في زمانه ... وأن يعتقد أن الأفضل يسنح بما هو أفضل منه، ولذلك أسلم الحكماء الذين كانوا يعلمون الناس بالإسكندرية لما وصلتهم شريعة الإسلام، وتنصر الحكماء الذين كانوا ببلاد الروم، لما وصلتهم شريعة عيسى ... ولا يشك أحد أنه كان في بني إسرائيل حكماء كثيرون، وذلك ظاهر من الكتب التي تلفي عند بني إسرائيل المنسوبة إلى سليمان"٢.
وينتهي ابن رشد إلى أن الاعتقادات التي وردت بها الشرائع في أمور الآخرة، وإن لم يتناولها البرهان العقلي، والفلاسفة لم يتعرضوا لها، فإنها "أحث على الأعمال الفاضلة مما قيل في غيرها، ولذلك كان تمثيل المعاد لهم "أي للناس" بالأمور الجسمانية أفضل من تمثيله بالأمور الروحانية"٣.
١ ابن رشد: "تهافت التهافت" ص٨٦٥-٨٦٦.
٢ الكتاب نفسه ص٨٦٨.
٣ الكتاب نفسه، ص٨٧.