الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٣٣
فبقي أن يكون خارجًا عنها، ولا يمكن أن يكون علة ممكنة، فإنا جمعنا كل علة ممكنة الوجود في هذه الجملة، فهي إذن خارجة عنها، وواجبة الوجود بذاتها.
فقد انتهت الممكنات إلى علة واجبة الوجود، فليس لكل ممكن علة ممكنة، بلا نهاية.
٢- ونقول أيضًا: إنه لا يجوز أن يكون للعلل عدد متناه، وكل واحد منه ممكن الوجود في نفسه، ولكنه واجب بالآخر، إلى أن ينتهي إليه دورًا.
ولنقدم مقدمة أخرى، فنقول: إن وضع عدد متناه من ممكنات الوجود بعضها لبعض علل في الدور -فهو أيضًا محال، وتبين "أي: هذه المسألة" بمثل بيان المسألة الأولى، ويخصها: أن كل واحد منها يكون علة لوجود نفسه، ومعلولًا لوجود نفسه، ويكون حاصل الوجود عن شيء، إنما يحصل بعد حصوله بالذات، وما وقف وجوده على وجود ما لا يوجد إلا بعد وجوده، البعدية الذاتية، فهو محال الوجود، وليس حال المتضايفين هكذا: فإنهما معًا في الوجود، وليس يتوقف وجود أحدهما، فيكون بعد وجود الآخر، بل توجدهما معًا: العلة الموجدة لهما والمعنى الموجب إياهما معًا، فإن كان لأحدهما تقدم، وللآخر تأخر -مثل الأب والابن، فتقدمه من جهة غير جهة الإضافة: فإن تقدمه من جهة وجوب الذات، ويكونان معا من جهة الإضافة، الواقعة بعد حصول الذات. ولو كان الابن يتوقف وجوده على وجود الأب، والأب يتوقف وجوده على وجود الابن، ثم كانا ليسا معًا بل أحدهما بالذات بعد، لكان لا يوجد ولا أحد منهما، وليس المحال هو أن يكون وجود ما يوجد مع الشيء شرطًا في وجوده، بل وجود ما يوجد عنه، وبعده"١.
ويتعمق ابن سينا في تفصيل هذا البرهان أكثر فأكثر بعد ذلك، مما لا محل لعرضه ها هنا.
١ ابن سينا: "النجاة" ص٢٣٠-٢٣١.