الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٦٢
البسيطة المفارقة الذات، فلا يجوز أن يجتمع هذان الأمران".
ولما كانت النفس بسيطة بساطة مطلقة، فإنها لا تقبل الانقسام إلى قوة أن تفسد وفعل أن تبقى، فواضح من هذا أن جوهر النفس ليس فيه قوة أن يفسد، وبان إذن أن النفس لا تفسد ألبتة.
والبرهان هنا فيه مصادرة على المطلوب؛ لأن من قال: إن النفس بسيطة بساطة مطلقة؟ أليس من يقول هذا يقول مقدمًا: إن النفس لا تفسد، إذ البسيط لا يفسد، والمركب هو الذي يفسد؟ لقد استخدم ابن سينا هنا البرهان الذي أقامه أفلاطون١، ولكن ليس له الحق في استخدامه؛ لأنه لم يأخذ بالأساس الأفلاطوني لهذا البرهان، وهو أن النفس مثال بالمعنى الأفلاطوني لهذا اللفظ، لقد كانت مقدماته أرسطية، ولكن نتائجه أفلاطونية، وهذا خلط غير مقبول ها هنا، لكن هذا شاهد آخر على الوضع الذي وجد الفلاسفة الإسلاميون فيه أنفسهم في الترجح بين أرسطو، وبين أفلاطون.
وأخيرًا في باب النفس يبطل ابن سينا مذهب التناسخ، وكان قد قال به أفلاطون.
وابن سينا يفند التناسخ على أساس أن تهيؤ الأبدان لتلقي النفوس، ويوجب إفاضة النفوس عليها من العلل المفارقة، وكل مزاج بدني يحدث، يحدث معه نفس تخصه، فإذا فرضنا أن نفسًا تناسختها أبدان، كان للبدن المستنسخ نفسان: إحداهما المستنسخة والثانية الحادثة معه، "فكان حينئذ لحيوان واحد نفسان. وهذا محال؛ لأن النفس هي التي تدبر البدن وتتصرف فيه، وكل حيوان يشعر بشيء واحد يدبر بدنه، ويتصرف فيه"٢.
١ راجع كتابنا: "أفلاطون" ص١٩٥، ط٤ سنة ١٩٦٤، القاهرة.
٢ شرح الطوسي على "الإشارات والتنبيهات" ص٧٧٩، القاهرة سنة ١٩٥٨، دار المعارف، وراجع الفصل الخاص بإبطال التناسخ في "النجاة" ص١٨٩.