الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٣٩
جـ- إنكار بعث الأحياء:
والمسألة الثابتة هي إنكار الفلاسفة لبعث الأجساد وسائر أمور المعاد، "وقولهم أن كل ذلك أمثلة ضربت لعوام الخلق لتفهيم ثواب وعقاب روحانيين هما أعلى رتبة من الجسمانية"، ذلك أنهم "قالوا: إن النفس تبقى بعد الموت بقاء سرمديًا: إما في لذة لا يحيط الوصف بها لعظمها، وإما في ألم لا يحيط الوصف به لعظمه. ثم قد يكون ذلك الألم مخلدًا، وقد ينمي على طول الزمان، ثم تتفاوت طبقات الناس في درجات الألم واللذة تفاوتًا غير محصور، كما يتفاوتون في المراتب الدنيوية، ولذاتها تفاوتًا غير محصور، واللذة السرمدية للنفوس الكاملة الذكية، والألم السرمدي للنفوس الناقصة الملطخة، والألم المنقضي للنفوس الكاملة الملطخة، فلا تنال السعادة المطلقة إلا بالكمال والتزكية والطهارة، والكمال بالعلم، والذكاء بالعمل"١.
والغزالي يرى أن أكثر هذه الأمور ليس مخالفًا للشرع، ولكن المخالف للشرع هو إنكارهم حشر الأجساد، وإنكارهم اللذات الجسمانية في الجنة، والآلام الجسمانية في النار، وإنكارهم وجود جنة ونار كما وصفهما القرآن، والسبب في إنكارهم لهذه الأمور هو استحالتها بالدليل العقلي، ولهم في ذلك ثلاثة مسالك:
المسلك الأول: تقدير العود إلى الأبدان لا يعدو ثلاثة أقسام: إما أن يقال: الإنسان عبارة عن البدن والحياة التي هي عرض قائم به، ومعنى الموت انقطاع الحياة، فتنعدم والبدن ينعدم أيضًا، وأما أن يقال: إن النفس موجود، ويبقى بعد الموت، ولكن يرد البدن الأول بجميع تلك الأجزاء بعينها، وإما أن يقال: يرد النفس إلى بدن، سواء كان من تلك الأجزاء أو من غيرها، ويكون العائد هو ذلك الإنسان من حيث أن النفس هي تلك النفس، فأما المادة فلا التفات لها.
وهذه الأقسام الثلاثة باطلة: لأن الأول إيجاد لمثل ما كان، لا إعادة
١ الغزالي: "تهافت الفلاسفة" ص٢٣٥.