الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٦٥
٢- مقامات العارفين:
وبعد هذا التمهيد يتكلم ابن سينا عن أحوال أهل الكمال من النوع الإنساني، وهوم يسميهم ها هنا باسم "العارفين"، وقد خصهم بالنمط التاسع من "الإشارات والتنبيهات"، وهذا الباب أجل ما في هذا الكتاب، كما يقول فخر الدين الرازي في شرحه عليه: "فإنه رتب فيه علوم الصوفية ترتيبًا ما سبقه إليه من قبله، ولا لحقه فيه من بعده"، والحق أن ابن سينا في هذا النمط قد حلق تحليقات صوفية رائعة، وإن كان من الصعب ربطها بسائر مذهبه العقلي المشائي الصريح.
يقول ابن سينا:
"إن للعارفين مقامات، ودرجات يخصون بها، وهم في حياتهم الدنيا، دون غيرهم، فكأنهم وهم في جلابيب من أبدانهم قد نضوها وتجردوا عنها إلى عالم القدس، ولهم أمور خفية، وأمور ظاهرة عنهم يستنكرها من ينكرها، ويستكبرها من يعرفها، ونحن نقصها عليك"١.
يعني أن للعارفين وإن كانوا لا يزالون في أبدانهم، فإنهم كما لو كانوا خلعوا أبدانهم جانبًا -كما يقول أفلوطين في التساعات"- وخلصت نفوسهم إلى عالم القدس، ولهم أمور خفية هي مشاهداتهم لما يعجز عن مشاهدته سائر الناس، وأمور ظاهرة، هي ما يختصون به من كرامات، لا يقر بها من لا يدركها، أما من يعرفها، فيقدرها تقديرًا كبيرًا.
ثم يشير بعد ذلك إشارة رمزية غريبة، فيقول: "وإذا قرع سمعك فيما يقرعه، ويرد عليك فيما يسمعه، قصة لسلامان وأبسال -فاعلم أن سلامان مثلًا ضرب لك، وأن أبسال مثل ضرب لدرجتك في العرفان، إن كنت من أهله، ثم حل الرمز، إن أطلقت".
ويشرح نصير الدين الطوسي قصة سلامان وأبسال هذه، فيقول: إنه وقعت له قصتان لسلامان وأبسال.
١ الكتاب نفسه ص٧٨٩.