الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٦٠
٥- النفس لا تموت بموت البدن، ولا تقبل الفساد:
ويقرر ابن سينا أن النفس "لا تموت بموت البدن، ولا تقبل الفساد أصلًا: أما أنها لا تموت بموت البدن؛ فلأن كل شيء يفسد بفساد شيء آخر، فهو متعلق به نوعًا من التعلق، وكل تعلق بشيء نوعًا من التعلق: فإما أن يكون تعلقه به تعلق المكافئ في الوجود، وإما أن يكون تعلقه به تعلق المتأخر عنه في الوجود، وإما أن يكون تعلقه به تعلق المتقدم عليه في الوجود الذي هو قبله بالذات، لا بالزمان"، ثم يفحص هذه الفروق الثلاثة، فيقول:
١- "فإن كان تعلق النفس بالبدن تعلق المكافئ في الوجود -وذلك أمر ذاتي له، لا عارض- فكل واحد منهما مضاف الذات إلى صاحبه -فليس لا النفس ولا البدن بجوهر، لكنهما جوهران، وإن كان ذلك أمرًا عرضيًا، لا ذاتيًا، فإذا فسد أحدهما بطل الآخر من الإضافة، ولم تفسد الذات بفساده.
٢- وإن كان تعلقه به تعلق المتأخر عنه في الوجود، فالبدن علة للنفس في الوجود حينئذ، والعلل أربع: فإما أن يكون البدن علة فاعلية للنفس معطية لها الوجود، وإما أن يكون علة قابلية لها بسبيل التركيب كالعناصر للأبدان، أو بسبيل البساطة كالنحاس للصنم، وإما أن يكون علة صورية، وإما أن يكون علة كمالية، ومحال أن يكون علة فاعلية، فإن الجسم بما هو جسم لا يفعل شيئًا، وإنما يفعل بقواه، ولو كان يفعل بذاته، لا بقواه، لكان كل جسم يفعل ذلك الفعل، ثم القوى الجسمانية كلها: إما أعراض، وإما صور مادية، ومحال أن تفيد الأعراض، أو الصور القائمة بالمواد وجود ذات قائمة بنفسها لا في مادة، ووجود جوهر مطلق، ومحال أيضًا أن يكون علة قابلية، فقد بينا وبرهنا أن النفس ليس منطبعة في البدن بوجه من الوجوه، فلا يكون إذًا البدن متصورًا بصورة النفس، لا بحسب البساطة، ولا على سبيل التركيب: بأن تكون أجزاء من أجزاء البدن، تتركب وتمتزج تركيبًا ما ومزاجًا ما، فتنطبع فيها النفس - ومحال أن يكون علة صورة للنفس أو كمالية، فإن الأولى أن يكون الأمر بالعكس، فإذن ليس تعلق النفس بالبدن تعلق معلول بعلة ذاتية ...
٣- وأما القسم الثالث ... وهو أن يكون تعلق النفس بالجسم تعلق المتقدم في الوجود: فإما أن يكون التقدم مع ذلك زمانيًا، فيستحيل أن يتعلق