الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٥٩
يحتاج أيضًا إلى كثير تكلف في إبطاله، فقد صح إذن أن النفس تحدث كلما يحدث البدن الصالح لاستعمالها إياه، ويكون البدن الحادث مملكتها وآلتها، ويكون في هيئة جوهر النفس الحادثة مع بدن ما ذلك البدن الذي استحق حدوثها من امبادئ الأولية -نزاع طبيعي إلى الاشتغال به، واستعماله والاهتمام بأحواله والانجذاب إليه، يخصها به، ويصرفها عن كل الأجسام غيره بالطبع لا بواسطته، فلا بد أنها وجدت متشخصة، فإن مبدأ تشخصها يليق بها من الهيئات ما تتعين به شخصًا، وتلك الهيئات تكون مقتضية لاختصاصها بذلك البدن، ومناسبة لصلوح أحدهما للآخر، وإن خفي علينا تلك الحال وتلك المناسبة، وتكون مبادئ الاستكمال متوقعة لها بوساطته، وتزيد فيه بالطبع لا بوساطته.
وأما بعد مفارقة البدن، فإن الأنفس قد وجد كل واحد منها ذاتًا منفردة باختلاف موادها التي كانت، وباختلاف أزمنة حدوثها، واختلاف هيئاتها التي بحسب أبدانها المختلفة لا محالة بأحوالها"١.
لكن لا يتضح من هذا النص بجلاء حل مشكلة هل أنفس أفراد الناس مختلفة، أو واحدة؟ وإذا كانت واحدة، فكيف توجد في أبدان مختلفة، وتنتسب إلى أفراد مختلفين، وتستقل بمسؤوليتها وحسابها؟!
١ ابن سينا: "النجاة" ص١٨٤.