الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٦
الجامع، وصليت وابتهلت إلى تبدع الكل، حتى فتح لي المنغلق، وتيسر المتعسر.
وكنت أرجع بالليل إلى داري، وأضع السراج بين يدي، وأشتغل بالقراءة والكتابة، فمهما غلبني النوم أو شعرت بضعف، عدلت إلى شرب قدح من الشراب ريثما تعود إلي قوتي، ثم أرجع إلى القراءة، ومهما أخذني أدنى نوم أحلم بتلك المسائل بأعيانها، حتى إن كثيرًا من المسائل اتضح لي وجوهها في المنام، وكذلك حتى استحكم معي جميع العلوم، ووقفت عليها بحسب الإمكان الإنساني، وكل ما علمته في ذلك الوقت، فهو كما علمته الآن لم أزدد فيه إلى اليوم، حتى أحكمت المنطق والطبيعي والرياضي، ثم عدلت إلى الإلهي، وقرأت كتاب "ما بعد الطبيعة"١، فما كنت أفهم ما فيه، والنفس على غرض واضعه، حتى أعدت قراءته أربعين مرة وصار لي محفوظًا، وأنا مع ذلك لا أفهم، ولا المقصود به، وأيست من نفسي، وقلت: هذا كتاب لا سبيل إلى فهمه، وإذا أنا في يوم من الأيام حضرت وقت العصر في الوّراقين، وبيد دلال مجلد ينادي عليه، فعرضه عليّ فرددته رد متبرم، معتقدًا أن لا فائدة من هذا العلم، فقال لي: أشر مني هذا، فإنه رخيص أبيعكه بثلاثة دراهم، وصاحبه محتاج إلى ثمنه. واشتريته، فإذا هو كتاب لأبي نصر الفارابي "في أغراض كتاب ما بعد الطبيعة". ورجعت إلى بيتي وأسرعت قراءته، فافنتح عليّ في الوقت أغراض ذلك الكتاب، بسبب أنه كان محفوظًا على ظهر قلب، وفرحت بذلك، تصدقت في ثاني يوم بشيء كثير على الفقراء، شكرًا لله تعالى.
وكان سلطان بخارى في ذلك الوقت نوح بن منصور، واتفق له مرض الأطباء فيه، وكان اسمي اشتهر بينهم بالتوفر على القراءة، فأجروا ذكري بين يديه، وسألوه إحضاري، فحضرت وشاركتهم في مداواته.
١ لأرسطو.