الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢٧
مادة، ومادة بلا صورة، وصورة في مادة، ومركب من مادة وصورة"١.
وأولى الأشياء بالوجود هي الجواهر، ويتلوها الأعراض، وأولى الجواهر بالوجود الجواهر التي ليست بأجسام.
وأول الموجودات في استحقاق الوجود، الجوهر المفارق غير الجسماني، ويتلوه الصورة، ويتلوه الجسم، وتتلوه الهيولى المحضة، إذ هي محل لنيل الوجود، وليست سببًا يعطي الوجود، ثم العرض.
والهيولى أو المادة لا تتجرد عن الصورة، بل توجد دائمًا مقارنة للصورة، إذ "لا يجوز أن تفارق الصورة الجسمية، وتكون موجودة بالفعل؛ لأنها إن فارقت الصورة الجسمية، فلا يخلو: إما أن يكون لها وضع وحيز في الوجود الذي لها حينئذ، أو لا يكون. فإن كان لها وضع وحيز، وكان يمكن أن تنقسم، فهي لا محالة ذات مقدار، وقد فرضت لا مقدار لها -هذا خلف، وإن لم يكن أن تنقسم ولها وضع، فهي لا محالة نقطة، ويمكن أن ينتهي إليها خط، ولا يمكن أن تكون منفردة الذات منحازتها؛ لأن خطًا إذا انتهى إليها، لاقاها بنقطة أخرى غيرها، ثم إن لاقاها خط آخر لاقاها بنقطة أخرى غيرها، ثم لا يخلو إما أن تتباين النقطتان عن جنبيها، فتكون المتوسطة التي تلاقيها اثنتنان لا تتلاقيان، تنقسم بينهما، وقد فرضت غير منقسمة، -وإما أن تكون النقطتان تتلاقيان، وبتلاقيهما تكون ذاتها سارية في ذات كل واحد منهما، وذاتها منحازة عن الخطين، فذاتاهما منحازتان منقطعتان عن الخطين، فللخطين نقطتان غير الأوليين هما نهايتاهما، وفرضناهما نهايتها- هذا خلف"٢، ويستمر ابن سينا في هذه البرهنة المعقدة، حتى يصل في النهاية إلى إثبات أن المادة، لا تتعرى عن الصورة الجسمية، وفي هذا يسير وفقًا لرأي أرسطو في مقابل رأي أفلاطون، لكنه في هذا يناقض ما قاله في "عيون الحكمة"، وأوردناه منذ قليل حين قال بوجود مادة بلا صورة، وسنراه يضطر إلى التخلي عن رأي أرسطو هذا، حين يصل إلى الكلام عن الجواهر المفارقة، لكن هذا التناقض يقوم في صلب الفلسفة الإسلامية كلها؛ لأنها جمعت بين أرسطو، وأفلاطون في مركب متنافر منذ البداية في كثير من المسائل.
١ الكتاب نفسه ص٤٨.
٢ ابن سينا: "النجاة" ص٢٠٣، القاهرة، ط٢ سنة ١٩٣٨.