الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٤٣
وثالثًا: الشر إنما يصيب أشخاصًا مفردة، وفي أوقات دون أوقات، بينما الأنواع محفوظة، فهو يصيب مثلًا أفرادًا من الناس، لكنه لا يصيب النوع الإنساني ككل.
ورابعًا: هذا الشر في أشخاص الموجودات قليل، "ومع ذلك فإن وجود ذلك الشر في الأشياء ضرورة تابعة للحاجة إلى الخير، فإن هذه العناصر لو لم تكن بحيث تتضاد وتنفعل عن الغالب، لم يمكن أن تكون عنها هذه الأنواع الشريفة ... فوجب ضرورة أن يكون الخير الممكن في هذه الأشياء، إنما يكون خيرًا بعد أن يمكن وقوع مثل هذا الشر عنه ومعه، وإفاضة الخير لا توجب أن يترك الخير الغالب لشر يندر، فيكون تركه شرًا من ذلك الشر؛ لأن عدم ما يمكن في طباع المادة وجوده، إذا كان عدمين -شر من عدم واحد، ولهذا ما يؤثر العاقل الإحراق بالنار، بشرط أن يسلم منها حيًا، على الموت بلا ألم، فلو ترك هذا القبيل من الخير، لكان يكون ذلك شرًا فوق هذا الشر الكائن بإيجاده ... فإن قال قائل: وقد كان جائزًا أن يوجد المدبر الأول خيرًا محضًا مبرًأ عن الشر؟ فيقال: هذا لم يكن جائزًا في مثل هذا النمط من الوجود، وإن كان جائزًا في الوجود المطلق، على أنه إن كان ضرب من الوجود المطلق مبرأ، فليس هذا الضرب، وذلك "الجائز في الوجود المطلق"، مما قد فاض عن المدبر الأول ووجد في الأمور العقلية، والنفسية، والسماوية.
وبقي هذا١ النمط في الإمكان، ولم يكن ترك إيجاده لأجل ما قد يخالطه من الشر" "٢٨٦-٢٨٧"، فإيجاده خير الشرين، أعني خير من الشر الأكبر لو لم يوجد.
كذلك الشر يطلق على وجوه أخرى:
١- فيقال شر للأفعال المذمومة،
١ أي الوجود الممزوج بالشر.