الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٢٧
طرق التصديق متفاوتة:
فإن قيل: وما الداعي إلى طريق الفلسفة، ما دام يغنينا طريق الشرع؟
فالجواب "أن طباع الناس متفاضلة في التصديق: فمنهم من يصدق بالبرهان، ومنهم من يصدق بالأقاويل الجدلية تصديق صاحب البرهان، إذ ليس في طباعه أكثر من ذلك، ومنهم من يصدق بالأقاويل الخطابية، كتصديق صاحب البرهان بالأقاويل البرهانية" "ص٣٤".
فإن قيل: إن هذه الطرق قد لا تؤدي إلى نفس الرأي، كان الجواب أن "الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له" "ص٣٥".
فإن وقع تعارض بين ما أدى إليه النظر البرهاني العقلي، وبين ما نطقت به الشريعة، قلنا: إن الأمر لا يخلو عن خصلتين:
١- فإما أن يكون الشرع قد سكت عنه، وإذن فلا تعارض هناك.
٢- وإما أن يكون ظاهر ما نطق به الشرع مخالفًا لما أدى إليه النظر البرهاني العقلي.
وفي هذه الحالة علينا أن نؤول ما ورد به ظاهر الشرع، "ومعنى التأويل هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية، من غير أن يخل في ذلك بعادة لسان العرب في التجوز، من تسمية الشيء بشبيهه، أو بسببه، أو لاحقه، أو مقارنه، أو غير ذلك من الأشياء التي تحددت في تعريف أصناف الكلام المجازي.
وإذا كان الفقيه يفعل هذا في كثير من الأحكام الشرعية، فكم بالحري أن يفعل ذلك صاحب علم البرهان! فإن الفقيه إنما عنده قياس ظني، والعارف عنده قياس يقيني.
ونحن نقطع قطعًا أن كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع، أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي، وهذه القضية لا يشك فيها مسلم، ولا يرتاب بها مؤمن، وما أعظم ازدياد اليقين بها عند من زاول هذا المعنى وجربه، وقصد هذا المقصد من الجمع بين المعقول والمنقول!