الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٦٤
١- العشق والشوق:
الأول هو أجل مبتهج؛ لأنه مبتهج بذاته، وهو أشد الأشياء إدراكًا لأشد الأشياء كمالًا، وهو بريء عن طبيعة الإمكان، والعدم اللذين هما منبعا الشر.
والعشق الحقيقي هو الابتهاج بتصور حضرة ذات ما.
والشوق هو الحركة إلى تتميم هذا الابتهاج، حين تكون الصورة المعشوقة حاضرة من وجه، غائبة من وجه آخر، فهو نقص لا يليق بالكمال الحقيقي الذي هو كمال الأول.
ولهذا، فإن الأول يوصف بالعشق، ولا يوصف بالشوق؛ لأنه لا يمكن أن يغيب عنه شيء.
الأول عاشق لذاته، ومعشوقه هو ذاته ومن ذاته، كما أنه معشوق من أشياء غيره بحسب إدراك الغير له.
"ويتلوه المبتهجون به وبذواتهم، من حيث هم مبتهجون به، وهم الجواهر العقلية القدسية، وليس ينسب إلى الأول الحق ولا إلى التالين من خلص أوليائه القديسين: شوق.
وبعد المرتبتين مرتبة العشاق المشتاقين: فهم، من حيث هم عشاق، قد نالوا نيلًا ما، فهم ملتذون، ومن حيث هم مشتاقون، فقد يكون لأصناف منهم أذى ما ...
والنفوس البشرية، إذا زالت الغبطة العليا في حياتها الدنيا، كان أجل أحوالها أن تكون عاشقة مشتاقة، لا تخلص عن علاقة الشوق، اللهم إلا في الحياة الأخرى.
ويتلو هذه النفوس نفوس أخرى بشرية، مترددة بين جهتي الربوبية، والسفالة على درجاتها.
ثم يتلوها النفوس المغموسة في عالم الطبيعة المنحوسة"١.
وهكذا أثبت ابن سينا العشق للجواهر العاقلة، والشوق لبعضها، وفيه على ثبوتهما لباقي النفوس، والقوى الجسمانية.
١ ابن سينا: "الإشارات والتنبيهات" ص٧٨٥-٧٨٧.