الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢٢١
ولأنه لا مادة له -ولا بوجه من الوجوه- فإنه بجوهره عقل؛ لأن المانع للشيء من أن يكون عقلًا، وأن يعقل بالفعل هو المادة، وهو معقول من جهة ما هو عقل، فإن الذي هو منه عقل هو معقول لذلك الذي هو منه عقل، وليس يحتاج، في أن يكون معقولًا، إلى ذات أخرى خارجة عنه تعقله، بل هو نفسه يعقل ذاته، فيصير بما يعقل من ذاته: عاقلًان وبأن ذاته تعقله: معقولًا، وكذلك ليس يحتاج في أن يكون عقلًا وعاقلًا إلى ذات أخرى، وشيء آخر يستفيده من خارج، بل يكون عقلًا وعاقلا بأن يعقل ذاته، فإن الذات التي تعقل هي التي تعقل.
وكذلك الحال في أنه عالم: فإنه ليس يحتاج في أن يعلم إلى ذات أخرى يستفيد بعلمها الفضيلة خارجًا عن ذاته، ولا في أن يكون معلومًا إلى ذات أخرى تعلمه، بل هو مكتف بجوهره في أن يعلم ويُعْلم.. وليس علمه بذاته غير جوهره، فإنه يعلم، وإنه معلوم، وأنه علم ذات واحدة وجوهر واحد.
وكذلك في أنه حكيم: فإن الحكمة هي أن يعقل أفضل الأشياء بأفضل علم. وبما يعقل من ذاته ويعلمها معلم أفضل الأشياء وبأفضل علم، والعلم الأفضل هو العلم التام الذي لا يزول لما هو دائم لا يزول، فلذلك هو حكيم: لا بحكمة استفادها بعلم شيء آخر خارج عن ذاته، بل في ذاته كفاية في أن يصير حكيمًا بأن يعلمها.
والجمال والبهاء والزينة في كل موجود هو أن يوجد وجوده الأفضل، ويبلغ استكماله الأخير، وإذا كان الأول وجوده أفضل الوجود، فجماله إذن فائت لجمال كل ذي جمال، وكذلك زينته وبهاؤه وجماله: له بجوهره وذاته".
وفي "عيون المسائل" يلخص الصفات الإلهية، فيقول عن واجب الوجود أنه: "لا ماهية له مثل الجسم -إذا قلت: إنه موجود فحد الموجود شيء، وحد الجسم شيء -سوى أنه واجب الوجود، وهذا وجوده.