الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٠٢
٨- المتوحد:
وينتهي ابن باجه إلى القول بأن جميع السير -أي نظم الحكم- التي بلغنا خبرها، والموجودة في زمانه أيضًا مركبة من السير الخمس: أي السيرة الفاضلة "المدينة الفاضلة"، والسير الأربع الفاسدة، وهي: الجاهلة، والفاسقة، والمتبدلة، والضالة. لكن "معظم ما نجده فيها "هو" من السير الأربع١"، أما السعداء، وهم أهل المدينة الفاضلة، فإن أمكن وجودهم في هذه المدن "الأربع"، فإنما يكون لهم سعادة المفرد، وصواب التدبير إنما يكون تدبير المفرد، سواء كان المفرد واحدًا، أو أكثر من واحد، ما لم تجتمع على رأيهم أمة أو مدينة، وهؤلاء هم الذين يعنيهم الصوفية بقولهم: "الغرباء"؛ لأنهم، وإن كانوا في أوطانهم وبين أترابهم وجيرانهم، غرباء في آرائهم، قد سافروا بأفكارهم إلى مراتب أخر هي لهم كالأوطان"٢.
ويقول ابن باجه: إنه قصد في رسالته "تدبير المتوحد" أن يبين حال المتوحد، وكيف يتدبر حتى ينال أفضل وجوداته، فإنه فرد خارج عن عادة الناس، أو"خارج عن الطبع"، كما يقول.
١ ابن باجه: "تدبير المتوحد" في رسائل ... " ص٤٣.
٢ الكتاب نفسه، ص٤٣.