الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٨٨
من الواضح أن الإنسان لا يستطيع أن يحصل على كل ما يرغب فيه، أو أن يكون بمأمن من فقد محبوباته؛ لأنه لا دوام لشيء في هذا العالم، عالم الكون والفساد، الذي نعيش فيه، أما البقاء فيوجد بالضرورة في العالم المعقول، الذي نستطيع أن نستشرف بأبصارنا إليه، فإن أردنا ألا نفقد محبوباتنا، وأن نحقق مطلوباتنا فعلينا أن نتطلع إلى العالم المعقول، ونختار فيه محبوباتنا وقنياتنا، حينئذ نكون واثقين أنه لن يسلبنا قنياتنا أحد، ولن تستولي عليه يد أجنبية، ولن نفقد محبوبًا لنا؛ لأنه لن يطرأ عليها آفة، ولن ينالها الموت، ولن تضيع مرغوباتنا؛ لأن المرغوبات الفعلية يوآزر بعضها بعضًا، أما القنيات الحسية فمبذولة لجميع الناس، ومعرضة للضياع، وليست بمأمن من الفساد والتغير.
وفي سبيل ذلك علينا ألا نرغب إلا فيما هو ميسور لنا؛ لأن من يطلب ما لا يمكنه أن يناله يطلب ما لا يوجد، وعلينا ألا نأسف على ما يفلت منا، وعلينا أن نطلب إذن ما هو ممكن، إذا لم نجد ما نرغب فيه، ومن يحزن لافتقاره إلى ما هو هالك، لن يفنى حزنه أبدًا، إذ سيجد دائمًا أنه سيفقد صديقًا، أو محبوبًا، وسيفوته مطلوب.
وبعد هذا الاستهلال البليغ، يأخذ الكندي في بيان العلاجات التي بفضلها يمكن دفع الأحزان:
١- أول الأدوية وأسهلها أن يعتبر المرء الحزن، ويقسمه إلى نوعين: حزن ناشئ عن شيء يتوقف أمره على إرادتنا، وحزن ناشئ عن شيء يتوقف أمره على إرادة الغير، فإن كان الأمر راجعًا إلينا، فليس لنا أن نحزن؛ لأننا نستطيع أن نمتنع من السبب في هذا الحزن ونزهد فيه، وإن كان راجعًا إلى الغير، فإما أن نستطيع التوقي منه، أو لا نستطيع، فإن استطعنا، فعلينا أن نحتمي منه ولا نحزن. وإن لم نستطع، فليس لنا أن نحزن قبل أن يقع؛ لأنه قد يحدث ألا يقع من فاعل سببه، أما إذا كان حزننا من أمر لم يصبنا بعد، فمنه نجلب على أنفسنا حزنًا لم يدع إليه داع.