الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ١٠٣
لكن ابن باجه لا يحدد لنا تحديدًا مفصلًا دقيقًا حال هذا المتوحد، بل تنتهي رسالة "تدبير المتوحد" إلى نظرة واقعية إلى الإنسان، فيقول: "إن الإنسان فيه أمور كثيرة، وإنما هو إنسان بمجموعها: ففيه القوة الغاذية ... وفيه القوة الحساسة والخيالية والذاكرة ... وفيه القوة الناطقة، وهذه "هي" الخاصة به "الكتاب نفسه ص٩٦"، والإنسان طبيعته كالواسطة بين السرمدية والفاسدة، وفيه معنى يكون به سرمديًا، ومعنى يكون به كائنًا فاسدًا ويتساءل: ما هذان المعنيان؟ ويقول: إنه ينبغي الفخص عنهما، لكنه لا يقوم بهذا الفحص، شأنه في كثير مما وعد به ولم ينجزه، على أنه من الواضح أن رسالة "تدبير المتوحد"، تبدو مبتورة، شأنها شأن سائر ما وصلنا من رسائل ابن باجه، والأرجح أن ابن باجه نفسه هو الذي ترك مؤلفاته ناقصة مبتورة لم تتم كتابتها، ما دامت النسخة الخطية التي أوردت هذه الرسائل، وهي نسخة بودلي في اكسفورد هي ما قيده تلميذه، وصاحبه علي بن عبد العزيز بن الإمام، ولا نظن أنه هو الذي بتر أواخرها، بل قيدها على حالها، كما تلقاها من ابن باجه نفسه.
وكل ما يقوله عن هذا المتوحد هو أن طبيعته كريمة سنية روحانية، وأن طبعه فلسفي بالضرورة وإلا كان جسمانيًا، وكان فيلسوفًا بهرجًا، فهذا الطبع الفلسفي، إذا كان مزمعًا أن يكون على كماله الأخير، فهو يفعل هذا الفعل، ولذلك كل من يؤثر جسمانيته على شيء من روحانيته، فليس يمكن أن يدرك الغاية القصوى، وإذن فلا جسماني واحدًا سعيد، وكل سعيد فهو روحاني صرف.
إلا أنه كما يجب على الروحاني أن يفعل بعض الأفعال الجسمانية، لكن ليس لذاتها، ويفعل الأفعال الروحانية لذاتها -كذلك الفيلسوف: يجب أن يفعل كثيرًا من الأفعال الروحانية، لكن لا لذاتها، ويفعل جميع الأفعال العقلية لذاتها، وبالجسمانية هو الإنسان موجودًا، وبالروحانية هو