الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢٤٠
الطب: فإن الطبيب إنما يصير معالجًا كاملًا بقوتين: إحداهما القوة على الكليات والقوانين التي استفادها من كتب الطب، والأخرى القوة التي تحصل له بطول المزاولة لأعمال الطب في المرضى، والحنكة فيها بطول التجربة والمشاهدة لأبدان الأشخاص، وبهذه القوة يمكن الطبيب أن يقدر الأدوية، والعلاج بحسب بدن بدن في حال حال -كذلك المهنة الملكية، إنما يمكنها أن تقدر الأفعال بحسب عارض عارض وحال حال في وقت وقت بهذه القوة وهذه التجربة.
والفلسفة المدنية تعطي -فيما تفحص عنه من الأفعال والسنن، والملكات الإرادية وسائر ما تفحص عنه- القوانين الكلية، وتعطي الرسوم في تقديرها بحسب حال حال ووقت ووقت، كيف، وبأي شيء، وبكم شيء تقدر، ثم تتركها غير مقدرة؛ لأن التقدير بالفعل لقوة أخرى غير هذا الفعل، وسبيلها أن تنضاف إليه، ومع ذلك فإن الأحوال والعوارض، التي بحسبها يكون التقدير، غير محدودة ولا يحاط بها.
وهذا العلم جزءان:
١- جزء يشتمل على تعريف السعادة، وتمييز ما بين الحقيقة منها والمظنون به، وعلى إحصاء الأفعال والسير والأخلاق، والشيم الإرادية الكلية التي شأنها أن توزع في المدن والأمم، ويميز الفاضل منها من غير الفاضل.
٢- وجزء يشمل، على وجه الترتيب، الشيم والسير الفاضلة في المدن والأمم، وعلى تعريف الأفعال الملكية التي بها تمكن السير والأفعال الفاضلة، ويرتب في أهل المدن الأفعال١ التي بها يحفظ عليهم ما رتب ومكن فيهم، -ثم يحصي أصناف المهن الملكية غير الفاضلة كم هي، وما كل واحدة منها، ويحصي الأفعال التي يفعلها كل واحد منها، وأي سنن وملكات يلتمس كل واحد منها أن يمكن في المدن، والأمم التي تكون تحت رياستها، وهذه في كتاب
١ في المطبوع: "والأفعال" -وهو خطأ لا يستقيم معه الفهم.