الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٢١٩
جـ- صفات واجب الوجود:
ويعدد الفارابي صفات واجب الوجود -أي: الله- في رسائل عديدة: فيقول عنه في كتاب "السياسة المدنية"١: "أما الأول فليس فيه نقص أصلًا ولا بوجه من الوجوه، ولا يمكن أن يكون وجود أكمل، وأفضل من وجوده، ولا يمكن أن يكون وجود أقدم منه، ولا في مثل مرتبة وجوده لم يتوفر عليه، فلذلك لا يمكن أن يكون استفاد وجوده عن شيء آخر غيره أقدم منه، وهو من أن يكون استفاد ذلك عما هو أنقص منه أبعد، ولذلك هو أيضًا مباين بجوهره لكل شيء سواه مباينة تامة، ولا يمكن أن يكون ذلك الوجود الذي هو له لأكثر من واحد؛ لأن كل ما وجوده هذا الوجود، لا يمكن أن يكون بينه وبين آخر -له أيضًا هذا الوجود بعينه- مباينة أصلًا؛ لأنه إن كانت بينهما مباينة، كان الذي تباينا به شيئًا آخر غير ما اشتركا فيه: فيكون الشيء الذي به باين كل واحد منهما الآخر جزءًا من قوام وجوديهما به، فيكون وجود كل واحد منهما منقسمًا بالقول، فيكون كل واحد من جزئيه سببًا لقوام ذاته، فلا يكون أولًا، بل يكون هناك موجود أقدم منه به قوامه، وذلك محال فيه، إذ هو أول، وما لا تباين بينهما لا يمكن أن يكونا كثرة: لا اثنين ولا أكثر.
وأيضًا إن أمكن أن يكون شيء غيره له هذا الوجود بعينه، أمكن أن يكون وجود خارجًا عن وجوده لم يتوفر عليه، وفي مثل رغبته، فإذن وجوده دون وجود ما يجتمع له الوجودان معًا، فوجوده إذن وجود فيه نقص؛ لأن
١ الفارابي: "السياسة المدنية" ص٤٢-٤٦، بيروت سنة ١٩٦٤.