الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٣١
فإن لم تقتض، فإنها تكون واجبة الوجود، مع أننا قلنا أن كل واحد منها معلول للآخر.
وأما أن تقتضي -وهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ لأن علة الجملة: إما أن تكون كل الآحاد "أي أفرادها"، أو بعضها، أو شيئًا خارجًا عنها. والأول باطل؛ لأن الشيء لا يكون علة نفسه، والثاني باطل، إذ ليس بعض الآحاد أولى بذلك من بعض، ما دام كل واحد منها معلولًا، فلم يبق إلا القسم الثالث، وهو أن تكون علة الجملة شيئًا خارجًا عنها -وهو المطلوب.
وإذن فكل سلسلة تنتهي إلى واجب الوجود بذاته.
"ولا يجوز أن يكون شيء واحد واجب الوجود بذاته وبغيره معًا، فإنه إن رفع غيره، أو لم يعتبر وجوده لم يخل: إما أن يبقى وجوب وجوده على حاله، فلا يكون وجوب وجوده بغيره، وأما أن لا يبقى وجود وجوده، فلا يكون وجود وجوده بذاته، وكل ما هو واجب الوجود بغيره، فإنه ممكن الوجود بذاته؛ لأن ما هو واجب الوجود بغيره، فوجوب وجوده تابع لنسبة ما وإضافة، والنسبة والإضافة اعتبارهما يمد اعتبار نفس ذات الشيء التي لها نسبة وإضافة، ثم وجوب الوجود إنما يتقرر باعتبار هذه النسبة، فاعتبار الذات وحدها لا يخلو إما أن يكون مقتضيًا لوجوب الوجود، أو مقتضيًا لإمكان الوجود، أو مقتضيًا لامتناع الوجود، ولا يجوز أن يكون مقتضيًا لامتناع الوجود؛ لأن كل ما امتنع وجوده بذاته لم يوجد، ولا بغيره، وإما أن يكون موجودًا مقتضيًا لوجوب الوجود -فقد قلنا: إن ما وجب وجوده بذاته استحال وجوب وجوده بغيره. فبقي أن يكون باعتبار ذاته: ممكن الوجود، وباعتبار إيقاع النسبة إلى ذلك الغير: واجب الوجود، وباعتبار قطع النسبة التي إلى ذلك الغير: ممتنع الوجود، وذاته بذاته بلا شرط ممكنة الوجود"١.
١ ابن سينا: "النجاة" ص٢٢٥-٢٢٦.