الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٩٩
الصور معان مجردة عن المادة، يلحقها الذهن، كما يلحق الحس صور المحسوسات، حتى يكون الذهن كالقوة الحساسة للصور، أو كالقوة الناطقة للمتخيلات، فيلزم عن ذلك أن تكون المعاني المعقولة من تلك الصور أبسط من تلك الصور، فيكون هنا ثلاثة: المعاني المحسوسة والصور، ومعاني الصور"، ويقصد بالمعاني المحسوسة: المدركات الحسية، أو الامتثالات الناشئة عن معطيات الحس، ويقصد بالصور: الكليات في الأذهان، وربما يقصد بمعاني الصور: الصور في عالم المثل، وإن كان كلامه ها هنا غير واضح.
ويرد على أرسطو في نقده لنظرية الصور "المثل" الأفلاطونية، فيقول: إن نقد أرسطو الوارد في كتاب "ما بعد الطبيعة"١، يصح لو كان المقصود من القول بالصور أنها تفعل فعل الكائنات، التي هي صور لها بأن نقول: إن صورة النار تفعل فعل النار فتحرق، إذ لو كان الأمر كذلك للزمت المحالات التي ذكرها أرسطو.
وإنما المقصود بالصور أنها معان مجردة عن المادة، ولا تفعل فعل الأشياء التي هي في مادة، والصور بهذا المعنى حقيقية، "واحدة، باقية، غير بالية ولا فاسدة" "الكتاب نفسه ص١٦٩".
ولا يتوسع ابن باجه في الكلام عن السعداء، أهل المرتبة الثالثة، الذين يرون الأشياء ذاتها، كما لو كانوا يرون الشمس نفسها، بل يحيل إلى رجاء أن يثبت ذلك "مفسرًا مبينًا" "الكتاب نفسه ص١٧٢ س٦"، لكن لم يصلنا شيء في هذا الباب، إن كان قد أنجز وعده هذا.
١ راجع أرسطو: "ما بعد الطبيعة" المقالة الثالثة عشرة، الفصول ٤-٧، ص١٠٧٨ ب٩-١٠٨٢ أ٣٨.