الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٩٨
ثم يسوق ابن باجه أسطورة الكهف المشهورة الواردة في كتاب "السياسة" لأفلاطون "م٧ ص٥١٧ب-٥١٩جـ"، فيقول:
"فحال الجمهور من المعقولات تشبه أحوال المبصرين في مغارة لا تطلع عليهم الشمس، فيرونها، بل يرون الألوان كلها في الظل، فمن كان في قضاء المغارة رأي في حال شبيهة بالظلمة، ومن كان عند مدخل المغارة رأى الألوان في الظل، وجميع الجمهور فإنما يرون الموجودات في حال شبيهة بحال الظل، ولما يبصروا قط ذلك الضوء، فلذلك كما أنه لا وجود للضوء مجردًا عن الألوان عند أهل المغارة، كذلك لا وجود لذلك العقل عند الجمهور، ولا يشعرون به.
وأما النظريون فينزلون منزلة من خرج من المغارة إلى البراح، فلمح الضوء مجردًا عن الألوان، ورأى جميع الألوان على كنهها.
وأما السعداء فليس لهم في الأبصار شبيه، إذ يصيرون هم الشيء، فلو استحال البصر فصار ضوءًا، لكان عند ذلك ينزل منزلة السعداء"١.
وأما الإلغاز٢ عن حال السعداء بحال من نظر إلى الشمس بعينها، فذلك الإلغاز لا يناسب الإلغاز عن حال الجمهور، بل الإلغاز عن حال الجمهور أشد مناسبة ومقاربة من هذه.
وأما أفلاطون فلما كان يضع الصور، كان إلغازه عن حال السعداء بحال الناظر إلى الشمس مناسبًا لإلغازه عن حال الجمهور، فكان لغزه متناسب الأقسام"٣.
ثم يشير ابن باجه إلى نظرية الصور "= المثل" الأفلاطونية، فقال: إن
١ ابن باجه: "رسالة اتصال العقل بالإنسان" ضمن "رسائل ... " ص١٦٧.
٢ الإلغاز: ضرب المثل، التصوير بأسطورة، واللغز = الأسطورة mythe.
٣ ابن باجه: "اتصال العقل بالإنسان" في "رسائل ابن باجه الإلهية" ص١٦٨-١٦٩ بيروت، سنة ١٩٦٨.