الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٩١
كان الإنسان الإلهي -ضرورة- فاضلًا بالفضائل الشكلية"١.
والإنسان قد توجد له حالة "بها يشبه النبات، وذلك في الزمان الذي يحتوي عليه "فيه" الرحم: فإنه يتخلق أولًا، فإذا كمل تخلقه، اغتذى ونما، وهذه أفعال توجد للنبات من أول وجوده، ولا يوجد له غيرها أول وجوده، وذلك عند النشوء، والحار الغريزي قد يفعل هذه الأفعال، وإذا خرج الجنين من بطن أمه واستعمل حسه، أشبه عند ذلك الحيوان غير الناطق، وتحرك في المكان واشتهى. وإنما يكون ذلك لحصول الصورة الروحانية المرتسمة في الحس المشترك، ثم في الخيال، والصورة المتخيلة هي المحرك الأول فيه، فيكون عند ذلك في الإنسان ثلاث محركات، كأنها في مرتبة واحدة: القوة الغاذية النزوعية، والقوة المنمية الحسية، والقوة الخيالية، وكل هذه القوى هي قوى فاعلة، وهي موجودة بالفعل، لا عدم فيها: وهذا هو الفرق بين القوى الفاعلة والمنفعلة: فإن في المنفعلة: العدم؛ لأن الصورة الروحانية المحسوسة هي أول مراتب الروحانية -على ما يتبين في كتاب "المتوحد"- لأنها إدراك، وتلك الصور الأخرى يدرك بها الجسم ولا يدركها؛ ولذلك لا تنسب إلى النبات معرفة أصلًا، وتنسب إلى الحيوان، فإن كل حيوان هو حساس ... فالإنسان إذا كان في الرحم، وأشبه النبات، فإنما يقال له أنه حيوان بالقوة، وذلك أن روحه الغريزي يقبل الصورة الروحانية، فهو حيوان بذلك القبول، فأما الروح الغريزي في النبات، فلا يمكن فيه ذلك"٢.
والإنسان له أحوال مختلفة بحسب مراحل العمر: ففي سن اليفاع يكون حيوانًا فقط، وأنه إنما ينفعل عن النفس البهيمية فقط، لكن من تنشأ لديه الروية، فإنه عند ذلك يكون إنسانًا بالإطلاق ومكتفيًا بنفسه، ليس به ضرورة إلى من يكفله.
١ ابن باجه: "تدبير المتوحد"، "رسائل ... " ص٤٧-٤٨.
٢ ابن باجه: "اتصال العقل بالإنسان"، في "رسائل ابن باجه الإلهية" ص١٥٩.