الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٨٠
وجواد، وكيف لا، وهو بمعزل عن محبة الباطل.
وصفاح للذنوب، وكيف لا، ونفسه أكبر من أن تجرحها ذات بشر؟ ونساء للأحقاد، وكيف لا، وذكره مشغول بالحق!
العارفون قد يختلفون في الهمم، بحسب ما يختلف فيهم من الخواطر، على حكم ما يختلف عندهم من دواعي العبر.
وربما استوى عند العارف القشف١، والترف، بل ربما آثر القشف، وكذلك ربما استوى عنده التفل والعطر، بل ربما آثر التفل، وذلك عندما يكون الهاجس بباله، استحقار ما خلا الحق.
وربما أصغى إلى الزينة، وأحب من كل جنس عقيلته، وكره الخداج والسقط، وذلك عند ما يعتبر عادته من صحبة الأحوال الظاهرة.
فهو يرتاد البهاء في كل شيء؛ لأنه مزية حظوة من العناية الأولى، وأقرب إلى أن يكون من قبيل ما عكف عليه بهواه.
وقد يختلف هذا في عارفين، وقد يختلف في عارف بحسب وقتين.
والعارف ربما ذهل فيما يصار به إليه، فغفل عن كل شيء، فهو في حكم من لا يكلف وكيف، والتكليف لمن يعقل التكليف حال ما يعقله، ولمن اجترح "= كسب" بخطيئته إن لم يفعل التكليف؟!
وذلك؛ لأن "العارف ربما ذهل -كما يشرح الطوسي- في حالة اتصاله بعالم القدس عن هذا العالم، فغفل عن كل ما في هذا العالم، وصدر عنه إخلال بالتكاليف الشرعية، فهو لا يصير بذلك متأثمًا؛ لأنه في حكم من لا يكلف؛ لأن التكليف لا يتعلق إلا بمن يعقل التكليف، في وقت تعقله ذلك، أو بمن يثأثم بترك التكاليف، إن لم يكن يعقل التكليف، كالنائمين، والغافلين، والصبيان الذين هم في حكم المكلفين".
ويختم ابن سينا هذه الصفحات الملتهبة بشواظ من جنبات القدس بقوله:
"جل جناب الحق عن أن يكون شريعة١ لكل وارد، أو يطلع عليه إلا واحد بعد واحد"٢، إذ ما أقل عدد الواصلين إلى الحق!
١ قشف الرجل: إذا لوحته الشمس أو الفقر، فتغير وأصابه قشف، والمتقشف: الذي يتبلغ بالقوت وبالمرقع. التفل ضد العطر. عقيلة كل شيء: الكريه. الخداع: النقصان. السقط: رديء المتاع.