الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٧٩
معروف، وهو مقام الوقوف"١.
ثم يبلغ ابن سينا أوج التمجيد للعارف بعبارات تحلق في سماء الوجد الصوفي، مما لا نكاد نجد له مثيلًا عند أكابر الصوفية الواصلين، مع أن سلوك ابن سينا في الحياة على الضد تمامًا من سلوك الصوفية السالكين، وذلك في الفصول من ٢١ إلى ٢٧ من هذا النمط التاسع من "الإشارات والتنبيهات".
يقول ابن سينا:
"العارف هش بش، بسام، يبجل الصغير، من تواضعه، كما يبجل الكبير، وينبسط من الخامل، مثلما ينبسط من النبيه.
وكيف لا يهش، وهو فرحان بالحق، وبكل شيء، فإنه يرى منه الحق؟!
وكيف لا يسوي، والجمع عنده سواسية؟! ...
العارف له أحوال لا يحتمل فيها الهمس من الحفيف، فضلًا عن سائر الشواغل الخاجلة، وهي في أوقات انزعاجه بسره إلى الحق، إذا تاح حجاب من نفسه، أو من حركة سره قبل الوصول، فأما عند الوصول: فأما شغل له بالحق عن كل شيء، وأما سعة للجانبين بسعة القوة، وكذلك عند الانصراف في لباس الكرامة، فهو أهش خلق الله ببهجته.
العارف لا يعنيه التجسس والتحسس، ولا يستهويه الغضب عند مشاهدة المنكر، كما تعتريه الرحمة، فإنه مستبصر بسر الله في القدر.
وإذا أمر بالمعروف، أمر برفق ناصح، لا بعنف مغير، وإذا جم "= عظم" المعروف، فربما غار عليه من غير أهله.
العارف شجاع، وكيف لا وهو بمعزل عن تقية الموت؟
١ من شرح الطوسي على "الإشارات والتنبيه" ص٨٣٩-٨٤١ هامش.