الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٧٨
ثم إن ابن سينا بعد أن فرغ من ذكر درجات السلوك، وانتهى إلى درجات الوصول، أراد أن ينبه على نقصان جميع الدرجات قبل درجة الوصول.
وينتهي إلى تقرير حقيقة العرفان، فيقول: إن العرفان، مبتدئ من تفريق، ونقض، وترك ورفض، أما التفريق فمن ذات العارف، وما عسى أن يشغله عن الحق، أما النقض فاطراح الشواغل، أما الترك فالتخلص من الشواغل ابتغاء توخي الكمال لأجل ذاته، وأما الرفض فهو أن يرفض ذاته بالكلية.
وتلك درجات التزكية.
ويتلوها بدرجات التحلية، "وبيان درجاتها بالإجمال -كما يشرح الطوسي- أن العارف إذا انقطع عن نفسه، واتصل بالحق، رأى كل قدرة مستغرقة في قدرته المتعلقة بجميع المقدورات، وكل علم مستغرقًا في علمه الذي لا يعز عنه شيء من الموجودات، وكل إرادة مستغرقة في إرادته التي يمتنع أن يتأبى عليها شيء من الممكنات: بل كل وجود، وكل كمال وجود فهو صادر عنه، فائض من لدنه -صار الحق حينئذ بصره الذي به يبصر، وسمعه الذي به يسمع، وقدرته التي بها يفعل، وعلمه الذي به يعلم، ووجوده الذي به يوجد، فصار العارف حينئذ متخلقًا بأخلاق الله تعالى بالحقيقة، وهذا معنى قوله: "العرفان ممعن في جميع صفات": هو جمع صفات الحق للذات المريدة بالصدق، ثم إنه بعد ذلك يعاين كون هذه الصفات، وما يجري مجراها: متكثرة بالقياس إلى الكثرة، متحدة بالقياس إلى مبدئها الواحد، فإن علمه الذاتي هو بعينه قدرته الذاتية، وهي بعينها إرادته، وكذلك سائرها، إذ لا وجود ذاتيًا لغيره: فلا صفات مغايرة للذات، ولا ذات موضوعة بالصفات، بل الكل شيء واحد، كما قال عز من قائل: "إنما الله إله واحد"، فهو لا شيء غيره، وهذا معنى قوله: "فتنة إلى الواحد"، وهناك لا يبقى واصف ولا موصوف، ولا سالك ولا مسلوك، ولا عارف ولا