الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٧٦
المسمى عندهم أوقاتا.
وكل وقت يكتنفه وجدان: وجد إليه، ووجد عليه؛ لأن الأول حزن في استبطاء الوحيد، والآخر أسف على فواته.
"ثم إنه لتكثر عليه هذه الغواشي، إذا أمعن في الارتياض.
ثم إنه ليوغل في ذلك حتى يغشاه في غير الارتياض، فكلما لمح منه شيئًا، عاج منه إلى جناب القدس، يتذكر بين أمره أمرًا، فغشته غاش، فيكاد يرى الحق في كل شيء.
ولعله إلى هذا الحد تستعلى عليه غواشيه، ويزول هو عن سكينته، فيتنبه جليسه لاستيفازه "= لاستنهاضه" عن قراره.
فإذا طالت عليه الرياضة، لم تستفزه غائية، وهدى للتلبيس فيه١، وذلك أنه إذا باغته الأمر العظيم، "فقد تستفزه لكون الناس غافلة عن هجومه غير متأهبة له، فينهزم دفعة، أما إذا توالى، واستمر ألف الإنسان به، زال عنه الاستفزاز؛ لأن النفس قد تتأهب لتلقيه، إذ هي متوقعة لعودة، والعارف ينكر من نفسه الاستفزاز المذكور، لاستنكافه عن الترائي بالكمال، فلذلك يؤثر كتمان ما يرد عليه، ويستعمل التلبيس فيه"، كما شرح الطوسي٢.
لكن السالك تبلغ به الرياضة بعد ذلك "مبلغًا ينقلب له وقته سكينة: فيصير المخطوف مألوفًا، والوميض شهابًا بينًا، وتحصل له معارف مستقرة، كأنها صحبة مستمرة، ويستمتع فيها ببهجته، فإذا انقلب عنها، انقلب خسران آسفًا، ولعله إلى هذا الحد يظهر عليه ما به، فإذا تغلغل في هذه المعارفة، قل ظهوره عليه، فكان هو -وهو غائب- حاضرًا، وهو ظاعن
١ ابن سينا: "الإشارات والتنبيهات" ص٨٢٨-٨٢٩.
٢ الكتاب نفسه هامش ص٨٣٠.