الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٦٧
وانتشرت القصة، ونقلها حنين بن إسحاق من اليوناني إلى العربي.
ويعلق الطوسي على هذه القصة، فيقول:
"وهذه قصة اخترعها أحد من عوام الحكماء، ينسب كلام الشيخ إليه، على وضع لا يتعلق بالطبع، وهي غير مطابقة لذلك؛ لأنها تقتضي أن يكون الملك هو: العقل الفعال، والحكيم هو: الفيض الذي يفيض عليه مما فوقه، و"سلامان" هو النفس الناطقة، فإنه أفاضها من غير تعلق بالجسمانيات، و"أبسال" هي القوة البدنية الحيوانية التي بها تستكمل النفس وتألفها، وعشق "سلامان" لـ"أبسال": ميله إلى الذات البدنية، ونسبة "أبسال" إلى الفجور: تعلقها بغير النفس المتعينة بمادتها، بعد مفارقة النفس، وهربهما إلى ما وراء بحر المغرب: انغماسهما بالشوق مع الحرمان، وهما متلاقيان: بقاء ميل النفس، مع فتور القوى عن أفعالها
بعد سن الانحطاط، ورجوع "سلامان" لأبيه: التفطن للكمال، والندامة على الاشتغال بالباطل، وإلقاء نفسيهما في البحر: تورطهما في الهلاك: أما البدن فلانحلال القوى والمزاج، وأما النفس فلمشايعتها إياه، وخلاص "سلامان": بقاؤه بعد البدن، وإطلاعه على صورة "الزهرة": التذاذه بالابتهاج بالكمالات العقلية، وجلوسه على سرير الملك: وصوله إلى كماله الحقيقي، والهرمان الباقيان على مرور الدهر: الصورة والمادة الجسميتان.
فهذا تأويل القصة، "وسلامان" مطابق لما عنى الشيخ، وأما "أبسال" فغير مطابق؛ لأنه أراد درجة العارف في العرفان، فها هنا مثل لما يعوقه عن العرفان والكمال، فهذا الوجه ليست هذه القصة مناسبة لما ذكره الشيخ، وذلك يدل على قصور فهم واضعها عن الوصول إلى فهم غرضه منها".
وتعليق الطوسي الأخير هذا ليس وجهًا؛ لأن المقصود منها هو الصراع بين النفس الناطقة الكاملة، وبين النفس الشهوانية، و"سلامان" يمثل الأولى، و"أبسال" تمثل الثانية أدق تمثيل، فلماذا يريد الطوسي أن يفهم من