الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٥٦
٢- النفس الناطقة:
وأما النفس الناطقة -وهي خاصة بالإنسان وحده دون سائر الحيوان- فتنقسم قواها إلى: قوة عالمة، وقوة عاملة، قوة نظرية، وقوة عملية.
"أما القوة النظرية فهي قوة من شأنها أن تنطبع بالصور الكلية المجردة عن المادة. فإن كانت مجردة بذاتها، فذاك، وإن لم تكن، فإنها تصيرها مجردة بتجريدها إياها، حتى لا يبقى فيها من علائق المادة شيء"١.
ولتوضيح هذا التعريف نحدد معنى "القوة" أولًا، فنقول: إن القوة تقال على ثلاثة معان:
١- فيقال "قوة" للاستعداد المطلق الذي لا يخرج منه شيء إلى الفعل، كقوة الطفل على الكتابة.
٢- ويقال قوة لهذا الاستعداد إذا بدأ يتحقق ولكن بمجهود، مثل قوة الصبي الذي ترعرع، وعرف القلم والدواة، وبسائط الحروف -على الكتابة.
٣- ويقال قوة لهذا الاستعداد إذا تم بالآلة، وحدث مع الآلة أيضًا كمال الاستعداد، بأن يكون له أن يفعل متى شاء، بلا حاجة إلى الاكتساب.
والأولى تسمى قوة مطلقة وهيولانية، والقوة الثانية تسمى قوة ممكنة، والقوة الثالثة تسمى ملكة، وربما سميت الثانية ملكة، والثالثة: كمال قوة.
والقوة النظرية تنقسم بحسب قسمة القوى هذه:
١- فإن كانت نسبتها إلى الصور المجردة نسبة ما بالقوة المطلقة، سميت عقلًا هيولانيًا، وهي موجودة لكل شخص من النوع الإنساني، وسميت هيولانية تشبيهًا لها بالهيولى الأولى التي ليست هي بذاتها ذات صورة من الصور، ولكنها موضوعة لكل صورة.
٢- وإن كانت تدرك المعقولات الأولى -وهي المقدمات التي يقع بها التصديق بداهة لا باكتساب، مثل اعتقادنا أن الكل أعظم من الجزء وأن الأشياء المساوية لشيء واحد متساوية -سميت عقلًا بالملكة.
٣- وإن كانت الصور المعتدلة حاضرة فيها تطالعها وتعقلها بالعقل، وتعقل أنها تعقلها، سميت حينئذ: عقلًا مستفادًا؛ لأن الصور تكون حينئذ مستفادة من خارج.
٤- وإذا اشتد الاستعداد في بعض الناس، حتى لا يحتاج في أن يتصل بالعقل الفعال إلى كبير شيء وإلى تخريج وتعليم، فإن هذا يسمى عقلًا قدسيًا، "وهو من جنس العقل بالملكة، إلا أنه رفيع جدًا، ليس مما يشترك فيه الناس كلهم"٢.
١ ابن سينا: "النجاة" ص١٦٥.
٢ ابن سينا: "النجاة" ص١٦٧.