الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٥٤
والمحسوسات كلها تتأدى صورها إلى آلات الحس وتنطبع فيها، فتدركها القوة الحاسة، وهذا ظاهر في اللمس والذوق والشم والسمع، أما في البصر فقد ظن به خلاف هذا: فظن قوم أن البصر قد يخرج منه شيء، فيلاقي المبصر ويأخذ صورته من خارج، ويكون ذلك إبصارًا، وفي أكثر الأمر يسمون ذلك الخارج من العين شعاعًا، "وأما المحققون فيقولون: إن البصر -إذا كان بينه وبين المبصر شفاف بالفعل، وهو جسم لا لون له، متوسط بينه وبين البصر -تأدي شبيهه بتأدي الألوان بتوسط الضوء، إذا انعكس الضوء من شيء ذي لون، فصبغ بلونه جسمًا آخر، وإن كان بينهما فرق، بل هو أشبه بما يتخيل في المرآة"١، ويبرهن ابن سينا على بطلان الظن الأول، وهو رأي أفلاطون، بينما أرسطو يرى الرأي الثاني الذي آخذ به ابن سينا.
"وأما القوى المدركة من باطن: فبعضها قوى تدرك صور المحسوسات، وبعضها قوى تدرك معاني المحسوسات، ومن المدركات ما يدرك ويفعل معًا، ومنها ما يدرك ولا يفعل، ومنها ما يدرك إدراكًا أوليًا، ومنها ما يدرك إدراكًا ثانيًا.
والفرق بين إدراك الصورة، وإدراك المعنى أن الصورة هي الشيء الذي تدركه النفس الباطنة والحس الظاهر معًا، لكن الحس الظاهر يدركه أولًا ويؤديه إلى النفس، مثل إدراك الشاة لصورة الذئب، أعني شكله وهيئته ولونه: فإن نفس الشاة الباطنة تدركها، ويدركها أولًا حسها الظاهر.
وأما المعنى فهو الشيء الذي تدركه النفس من المحسوس، من غير أن يدركه الحس الظاهر أولًا، ثم إدراك الشاة معنى المضاد في الذئب، وهو المعنى الموجب لفرضها إياه وهربها عنه، من غير أن يكون الحس يدرك ذلك ألبتة.
١ ابن سينا: "النجاة" ص١٦٠.