الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٣٩
فيه، والأفضل يتبع الأفضل من جهات كثيرة.
فيكون إذًا العقل الأول يلزم عنه بما يعقل الأول: وجود عقل تحته، وبما يعقل ذاته: وجود صورة الفلك الأقصى وكمالها، وهي النفس، وبطبيعة إمكان الوجود الحاصلة له المندرجة في تعقله، لذاته: وجود جرمية الفلك الأقصى المندرجة في جملة ذات الفلك الأقصى بنوعه، وهو الأمر المشابك للقوة.
فبما يعقل الأول، يلزم عنه عقل، وبما يختص بذاته على جهتيه: الكثرة الأولى بجزئيها: أعني المادة والصورة، والمادة بتوسط الصورة أو بمشاركتها، كما أن إمكان الوجود يخرج إلى الفعل بالفعل الذي يحاذي صورة الفلك.
وكذلك الحال في عقل عقل، وفلك فلك، حتى ينتهي إلى العقل الفعال الذي يدبر أنفسنا، وليس يجب أن يذهب هذا المعنى إلى غير النهاية، حتى يكون تحت كل مفارق مفارق"١.
والخلاصة أن كل عقل "بما يعقل الأول يجب عنه وجود عقل آخر دونه، وبما يعقل ذاته يجب عنه فلك بنفسه وجرمه، وجرم الفلك كائن عنه، ومستبقى بتوسط النفس الفلكية"٢.
ولكل فلك نفس هي كماله وصورته، لكن هذه النفس ليست جوهرًا مفارقًا مثل العقل، ذلك أنها تحرك وتحدث التغيير في حركات الجرم، "وإذا كان الأمر على هذا، فلا يجوز أن تكون أنفس الأفلاك تصدر عنها أفعال في أجسام أخرى غير أجسامها، إلا بواسطة أجسامها، فإن صور الأجسام وكمالاتها على صنفيها" "ص٢٧٨": أما صور قوامها يكون بمواد الأجسام، وأما صور يكون قوامها بذاتها، لا بمواد الأجسام، وهذه الحالة الأخيرة هي
١ ابن سينا: "النجاة" ص٢٧٧-٢٧٨.
٢ الكتاب نفسه ص٢٨٠.