الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٣٧
٨- صدور الأشياء عن واجب الوجود:
الله فاعل الكل بمعنى أنه الموجود الذي يفيض عنه كل وجود فيضًا تامًا مباينًا لذاته، وفيض الكل عنه ليس على سبيل قصد منه، كذلك ليس كون الكل عنه على سبيل الطبع، بأن لا يكون وجود الكل عنه بغير معرفة ولا رضا منه، إذ كيف يصح هذا عنه، وهو عقل محض.
"وإنما يعقل وجود الكل عنه على أنه هو مبدؤه، وليس في ذاته مانع أو كاره لصدور الكل عنه، وذاته عالمة بأن كماله وعلوه بحيث يفيض عنه الخير، وأن ذلك من لوازم جلالته المعشوقة له لذاته ... "وهو" راض بما يكون عنه، فالأول راض بفيضان الكل عنه.
ولكن الحق الأول إنما عقد الأول وبالذات أنه يعقل ذاته، التي هي لذاتها مبدأ لنظام الخير في الوجود، فهو عاقل لنظام الخير في الوجود كيف ينبغي أن يكون، لا عقلًا خارجًا عن القوة إلى الفعل، ولا عقلًا متنقلًا من معقول إلى معقول، فإن ذاته بريئة عما بالقوة من كل وجه ... بل عقلًا واحدًا معًا، ويلزم ما يعقله من نظام الخير في الوجود إذ يعقل أنه كيف يمكن، وكيف يكون أفضل ما يكون أن يحصل وجود الكل على مقتضى معقوله"١.
ولا يجوز أن تكون أول المبدعات عنه كثيرة: لا بالعدد، ولا بالانقسام إلى مادة وصورة، بل ان أول الموجودات عن العلة الأولى واحد بالعدد، وذاته وماهيته موجودة لا في مادة، أي أنه عقل محض؛ لأنه صورة لا في مادة،
١ ابن سينا: "النجاة" ص٢٧٤.