الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٣٦
ذاته، وإذن فكون عاقلًا ومعقولًا لا يوجب فيه كثرة ألبتة.
وهو أيضًا بذاته معشوق وعاشق، ولذيذ وملتذ، إذ "لا يمكن أن يكون جمال، أو بهاء فوق أن تكون الماهية عقلية محضة، خيرية محضة، بريئة عن كل واحد من أنحاء النقص، واحدة من كل جهة، والواجب الوجود له الجمال والبهاء المحض. وهو مبدأ كل اعتدال؛ لأن كل اعتدال هو في كثرة تركيب أو مزاج، فيحدث وحدة في كثرته، وجمال كل شيء، وبهاؤه هو أن أن يكون على ما يجب له. فكيف جمال ما يكون على ما يجب في الوجود الواجب، وكل جمال ملائم وخير مدرك فهو محبوب ومعشوق، وكلما كان الإدراك أشد اكتناها وأشد تحقيقًا، والمدرك أجمل وأشرف ذاتًا، فأحباب القوة المدركة إياه، واعتزازها به أكثر، فالواجب الوجود -الذي في غاية الجمال والكمال والبهاء، والذي يعقل ذاته بتلك الغاية في البهاء والجمال، وبتمام التعقل، ويتعقل العاقل والمعقول على أنهما واحد بالحقيقة -تكون ذاته لذاته أعظم عاشق ومعشوق، وأعظم لاذ وملتذ ... وليس عندنا لهذه المعاني أسام غير هذه الأسامي، فمن استبشعها استعمل غيرها"١.
أما كيف يعقل واجب الوجود الأشياء، فإنه إذا عقل ذاته، وعقل أنه مبدأ كل الوجود، عقل أوائل الموجودات عنه وما يتولد عنها، ولا شيء من الأشياء يوجد إلا وقد صار من جهة ما واجبًا بسببه" "الكتاب نفسه ص٢٤٧".
إنه يعلم الأسباب ومطابقتها، فيعلم بالضرورة ما تتأدى إليه، وما بينها من الأزمنة، وما لها من العودات، ومعنى هذا أن الله إنما يعلم الكليات، وبعلمه إياها يكون مدركًا للأمور الجزئية من حيث هي كلية، أعني من حيث ما لها من صفات كلية، وقد أشار الغزالي في "التهافت" إلى رأي ابن سينا هذا، وهو أن ابن سينا، زعم أن الله "يعلم الأشياء علمًا كليًا لا يدخل تحت الزمان، ولا يختلف بالماضي والمستقبل والآن، ومع ذلك زعم أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، إلا أنه يعلم الجزئيات بنوع كلي"٢.
١ ابن سينا: "النجاة" ص٢٤٥.
٢ أبو حامد الغزالي: "تهافت الفلاسفة" ص١٦٤، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، سنة ١٩٦٢.