الفلسفه والفلاسفه في الحضاره العربيه - عبد الرحمن بدوي - الصفحة ٣٥
وهناك فلا كثرة، بل إنما توجد الأشياء عنه من جهة واحدة. فإذا كان كذلك، فكونه عالمًا بنظام الكل الحسن المختار، هو كونه قادرًا بل اثنينية ولا غيرته.
وهذه الصفات له لأجل اعتبار ذاته مأخوذًا مع إضافة، وأما ذاته فلا تتكثر -كما علمت- بالأحوال والصفات، ولا يمتنع أن تكون له كثرة إضافات وكثرة سلب، وأن تجعل له بحسب كل إضافة: اسم محصل، وبحسب كل سلب: اسم محصل، فإذا قيل له: "قادر"، فهو تلك الذات مأخوذة بإضافة صحة وجود الكل
عنه، الصحة التي بالإمكان العام، لا بالإمكان الخاص، فكل ما يكون عنه يكون
بلزوم عندما يكون؛ لأن واجب الوجود بذاته واجب الوجود من جميع جهاته.
وإذا قيل: "واحد" يعني به: موجود لا نظير له، أو موجود لا جزء له، فهذه التسمية تقع عليه من حيث اعتبار السلب.
وإذا قيل: "حق" عني أن وجوده لا يزول، وأن وجوده هو على ما يعتقد منه.
وإذا قيل: "حي" عني أنه موجود لا يفسد، وهو مع ذلك على الإضافة التي للعالم العاقل.
وإذا قيل: "خير محض" يعنى به أنه كامل الوجود بريء عن القوة والنقص، فإن شر كل شيء نقصه الخاص، ويقال له: خير؛ لأنه يؤتي كل شيء خيريته"١.
وواجب الوجود بذاته عقل وعاقل ومعقول: إنه يعقل ذاته، وهو إذن معقول لذاته، وعاقل لذاته، وكونه عاقلًا ومعقولًا لا يوجب أن يكون في ذاته اثنينية في الذات ولا في الاعتبار، إذ المقصود هو أن له ماهية مجردة هي
١ ابن سينا: "عيون الحكمة" ص٥٨-٥٩.